محمد عبد العاطي*
هل ستعترف جامعة الدول العربية بالجنرال الأميركي جاي غارنر أو أي عراقي ينوب عنه ممثلا للعراق فيها؟ وما الوضع القانوني للبعثات الدبلوماسية العراقية عموما في المرحلة الحالية سواء في الأمم المتحدة أو في دول العالم المختلفة؟ هل لا يزالون يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية أم أن الولايات المتحدة يمكن أن تلاحقهم وتلقي القبض عليهم بحجة مساعدة نظام سابق تعتبره مدانا؟ وكيف ينظر القانون الدولي إلى إعلان واشنطن أن الرئيس العراقي وأكثر من خمسين من كبار مساعديه مجرمو حرب يجب أسرهم أو قتلهم؟

هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها اثنان من كبار الدبلوماسيين العرب هما وزيرا خارجية لبنان الأسبقان فارس بويز وفؤاد بطرس.

فارس بويز

بداية سعادة الوزير فارس بويز ما الوضع القانوني للدبلوماسيين العراقيين حاليا؟ هل بإمكان الولايات المتحدة أن تنالهم بأذى أم أنهم لا يزالون في عرف القانون الدولي متمتعين بالحصانة الدبلوماسية؟

القانون والمنطق يقولان إن الدبلوماسي الذي يمثل بلدا معترفا به من قبل القانون الدولي والأمم المتحدة يبقى معترفا به ممثلا شرعيا حتى يتم تعيين البديل عنه. ومن هنا فمن المفترض أن تبقى البعثات الدبلوماسية العراقية الموجود في أنحاء العالم ممثلة شرعية للدولة العراقية -غير الموجودة حاليا-. وفي نظر القانون الدولي أنه ليس هناك دولة عراقية جديدة معترف بها من قبل جميع الدول، فمن المفترض أن يبقى هؤلاء الدبلوماسيون في أماكنهم متمتعين بالحصانة الدبلوماسية حسب اتفاقية فيينا ومعتبرين ممثلين شرعيين لدولهم.

في حالة ما إذا تولى الجنرال الأميركي جاي غارنر الحكم في العراق كما يردد بعض المسؤولين الأميركان، وفي حال عين هذا الجنرال وزيرا عراقيا للخارجية وسفراء ومندوبين للعراق في دول العالم المختلفة ما وجهة النظر القانونية والدبلوماسية التي سيتعامل بها المجتمع الدولي مع هذا الممثل؟

هنا أتصور أن ما سيحدث هو انشطار في الرأي، بمعنى أن هذه الحكومة لن تعتبر في نظر القانون حكومة شرعية بما للكلمة من معنى وما ينبثق عنها من تمثيل دبلوماسي، ولكن سياسيا من حيث الواقع قد تعترف بها الدول، واعتراف بعض الدول قد يساوي اعترافا شرعيا بذلك، من هنا أتصور وأتوقع بأنه إن حدث تعيين حكومة أميركية -وهي حكومة غير شرعية بالمنظار القانوني- فأمر الاعتراف بسفاراتها وبعثاتها الدبلوماسية سيبقى معلقا إلى أن تعترف بها الأمم المتحدة وبالتالي ربما تعترف بها العديد من دول العالم المختلفة.

ما المقصور بالأمم المتحدة هنا؟ هل المقصود الأمانة العامة للأمم المتحدة أم عدد معين من الدول الأعضاء فيها؟

الاعتراف بأي حكومة عراقية في المستقبل من المفترض أن يعرض على الجمعية العمومية للأمم المتحدة ويحظى بالأغلبية. تماما كما لو أن هناك دولة جديدة تتقدم بطلب للاعتراف بتكوينها. وهنا يصبح الموضوع سياسيا وسيتجاوز الانشطار الحاصل بين الاعتراف السياسي طبقا لواقع الأمر والنصوص القانونية الدقيقة والضيقة.

وهل هذا الاعتراف يلزم جامعة الدول العربية؟

إذا رفض مجلس جامعة الدول العربية قرار الأمم المتحدة الذي يعترف بأي حكومة عراقية ينصبها المحتل الأميركي فإن القرار الذي يتخذه مجلس الجامعة هذا ملزم للجامعة كجامعة أو كمنظمة إقليمية ولكنه غير ملزم للدول الأعضاء، وتبقى الحرية لهذه الدولة العربية أو تلك تقيم مع هذه الحكومة التابعة للمحتل الأميركي علاقات دبلوماسية معها أو لا. والمثال الإسرائيلي يوضح ذلك. فالأمم المتحدة تعترف بإسرائيل لكن جامعة الدول العربية لا تعترف بها، في حين تعترف بها بعض الدول العربية وتقيم معها علاقات دبلوماسية.

وفي هذه الحالة -اعتراف الأمم المتحدة بالحكومة العراقية التي ينصبها المحتل الأميركي ورفض جامعة الدول العربية لها- سيحدث حتما نوعا من تناقض بين اعتراف عالمي ورفض الدول العربية لهذا الاعتراف.

سؤال أخير سعادة الوزير بويز، الدعوة الأميركية لملاحقة الرئيس العراقي صدام حسين وكبار مساعديه وكما جاء في نصها إما أسرهم أو قتلهم، كيف ينظر القانون الدولي إلى هذه الدعوة؟

لسوء الحظ عندما تصطدم سياسة القوي أو المنتصر مع القانون فغالبا الذي يطبق هو موازين القوى. فحقيقة الأمر أن الولايات المتحدة لم تحظ بقرار من مجلس الأمن للقيام بهذه الحرب، ومن هنا فمن الصعب الاعتقاد بأنها تستطيع أن تجعل المسؤولين العراقيين يمثلون أمام محكمة دولية بمعزل عن هذا الغطاء المفقود.

هي نفسها لم تشترك في محكمة الجزاء الدولية ورفضتها واستثنت نفسها منها، ولذلك أنا أعتقد أن الولايات المتحدة أمام هذه العراقيل أو الصعوبات القانونية قد تلجأ إلى محاكمة أميركية للمسؤوليين العراقيين.

وهذا ليس حلا قانونيا، هذا حل الدولة الأقوى وشريعة القوي. أما الحل القانوني فكان يفترض أولا أن يصدر قرار من مجلس الأمن بتفويض بعض الدول للقيام بهذه الحرب وعلى هذا كانت المحكمة الدولية وتحت شرعية مجلس الأمن وشرعية الأمم المتحدة كان ممكنا أن تحاكم المسؤولين العراقيين أما في حالة غياب هذا القرار فلا توجد شرعية لهذه الدعوة على الإطلاق.

فؤاد بطرس
هل توافق سعادة الوزير فؤاد بطرس على ما ذهب إليه الوزير فارس بويز خاصة في ما يتعلق بوضع الدبلوماسيين العراقيين حاليا؟

نعم، فينبغي أن نتعامل مع مسألة غياب الحكومة العراقية السابقة عن الساحة بحذر. لأن الكثير من الحقائق لا تزال غائبة وغامضة. فحاليا حتى وإن سقطت بغداد فهذا لا يعني زوال الحكومة السابقة وإنما يعني في القانون الدولي أن الحكومة العراقية الشرعية فقدت سيطرتها تحت ضغط المحتل.

النقطة الأخرى التي تجعلنا نتعامل بحذر هو أنه حتى الآن لم تتشكل لا في داخل العراق ولا في خارجه حكومة أخرى بديلة، لذلك كله فوضع الدبلوماسيين العراقيين من وجهة نظر القانون الدولي أنهم لا يزالون يمثلون العراق تمثيلا شرعيا.

وما رأيك في الإعلان الأميركي بملاحقة صدام للقبض عليه أو قتله هو وكبار معاونيه؟

أولا الولايات المتحدة لم تنضم إلى محكمة الجزاء الدولية، فلا يجوز لها أن تتذرع بمحاكمة المسؤولين العراقيين كمجرمي حرب أو بجرائم ضد الإنسانية.

وبالنسبة لمحكمة العدل الدولية في لاهاي أو أي محاكمة دولية أخرى في أوروبا على سبيل المثال تحتاج إلى إثباتات وأدلة لكي تثبت ذلك.

وكيف تنظر إلى شرعية الحكومة العراقية المقبلة التي تعتزم الإدارة الأميركية تشكيلها؟

سواء أكانت حكومة أميركية بذاتها أو حكومة انتقالية عراقية بيد أميركية فهذا الأمر كله بمثابة كما لو أن الولايات المتحدة استولت بوضع اليد على بلد وراحت تخطط لحمايتها كما لو كانت مستعمرة تابعة لها.

سعادة وزير خارجية لبنان الأسبق فؤاد بطرس بصراحة لو كنت مازلت في الوزارة كيف كنت ستتعامل مع السفير العراقي وأعضاء السفارة العراقية الموجودين في لبنان حاليا؟

تريد الصراحة، فإن إعطاء جواب جازم لهذا الموضوع صعب علي، لكني كنت سأستمع له ولا أعتبر تمثيله صحيحا 100%. وكنت سأكون حذرا حتى تتضح الأمور على صعيد جامعة الدول العربية وعلى صعيد الأمم المتحدة.
______________
الجزيرة نت.

المصدر : الجزيرة