دمشق وواشنطن.. وجها لوجه
آخر تحديث: 2003/3/8 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/1/6 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2003/3/8 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/1/6 هـ

دمشق وواشنطن.. وجها لوجه

إعداد: شفيق شقير

شهدت العلاقات السورية الأميركية بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول محاولات لإعادة تنظيمها وشهدت دمشق حوارا هادئا مع مسؤولين أميركيين سواء تحت الأضواء أو بعيدا عنها.

وقدمت سوريا تعاونا أمنيا مهما مع واشنطن باعتراف الأخيرة نفسها، ووقفت الإدارة الأميركية ولا سيما وزير الخارجية الأميركي كولن باول في طريق أي محاولة من الكونغرس لاستصدار القانون الذي عرف بقانون محاسبة سوريا (Syria Accountability) وطالب بتأجيل بحثه وأهم أهداف هذا القانون:

  • القضاء على الدعم السوري للإرهاب، بسبب إيوائها لحماس وحركة الجهاد الفلسطينيتين.
  • ودعمها لحزب الله اللبناني وتحميل سوريا نتائج هجمات هذا الحزب على القوات الإسرائيلية المحتلة للجنوب اللبناني.
  • وإيقاف تطويرها لأسلحة الدمار الشامل.
  • وإيقاف استيرادها غير الشرعي للنفط العراقي.
  • وانسحاب القوات السورية من لبنان أو حسب عبارة القانون المقترح "إنهاء احتلالها للبنان" وأن تقوم الدولة اللبنانية بنشر الجيش في الجنوب.

وتفاجأ البعض من موافقة سوريا على القرار 1441 الذي ضيق الخناق على بغداد، وظن أن سوريا ستذهب بعيدا في تعاونها مع أميركا لتجنب أي مواجهة لا تحتملها، وذلك على غرار ما حصل في حرب الخليج الثانية.

غير أن الموقف السوري في مجلس الأمن (العضو العربي الوحيد غير الدائم في مجلس الأمن) تميز بلغته النارية حتى خيل للبعض أن سوريا ربما قد تكون نسيت ما تفرضه قواعد الدبلوماسية.


الأداء السوري في مجلس الأمن
أظهر الرئيس السوري الشاب بشار الأسد أنه يملك نمطه السياسي الخاص
الموقف السوري في مجلس الأمن
"وخلافا للحكمة القائلة إن التراجع عن الخطأ فضيلة يعتقد البعض أن التورط في حشد هذا الحجم الكبير من القوات المسلحة هو مبرر كاف بحد ذاته لشن حرب على العراق وتدميره، إذ لا أحد يتمتع بحس واقعي يمكنه أن يقبل أن تعود هذه القوات صفر اليدين، إذا كان هذا هو الحال، هل نحن أمام قضية عادلة أم عملية سطو مسلح لا أكثر ولا أقل".

إن هذا العبارات التي تضمنها تعقيب فاروق الشرع على التقريرين الأخيرين بليكس والبرادعي، من المؤكد أن واشنطن لن تمر عليها مرور الكرام وهو ما حصل فعلا، فمهما اختلفت تفسيراتها فإنها تشير إلى تصاعد في اللهجة السورية المعترضة على السياسة الأميركية إزاء العراق، وتدل بوضوح على تغير في الأداء والأسلوب السوري السياسي في تعاطيه مع الولايات المتحدة.

خاصة أن الجلسة ما قبل الأخيرة في (14/2/2003) التي ألقى فيها الشرع تعقيبه على تقريري بليكس والبرادعي في مجلس الأمن، كان قد قال فيها "ولا يخفي أولئك الذين يقرعون طبول الحرب أن هدفهم ليس نزع أسلحة الدمار الشامل من العراق، بل لديهم جدول أعمال خفي يريدون من خلال حربهم على العراق التوجه لتنفيذه في المنطقة كلها".

وذلك في إشارة واضحة إلى أميركا، وأنها تملك جدول أعمال مختلفا عن الذي تعلنه، فضلا عن تطرقه في تعقيبه الأخير الآنف الذكر إلى ازدواجية المعايير التي تبيح لأميركا أن تتعاون مع إسرائيل في صناعة الصواريخ على حساب دافع الضرائب الأميركي في حين تنكر ذلك على العرب.

والتخوفات السورية ليست مبتوتة الجذور فإن تصريحات المسؤولين الأميركيين ومنهم وزير الخارجية كولن باول، عبرت أكثر من مرة عن وجود برنامج عمل طويل للشرق الأوسط بعد عراق ما بعد صدام، ولعل تحذير وزير الخارجية الفرنسي في جلسة مجلس الأمن الأخيرة من حدوث "تعديل في الساحة السياسية في الشرق الأوسط" يعكس تخوفا فرنسيا مماثلا، من نشوء واقع يتعدى بنتائجه الأزمة العراقية الحالية.

فالمواجهات المتكررة بسبب الشأن العراقي بين دمشق وواشنطن عرضت العلاقات الأميركية السورية لضرر بالغ، وأظهرت الرئيس السوري الشاب بشار الأسد أنه يملك نمطه الخاص في الممارسة السياسية وهو مستعد للمضي فيه وعلى أميركا أن تعتاد عليه، وهو أداء مختلف عما كان عليه الحال في حرب الخليج الثانية عام 1991 لاختلاف الظروف والأسباب والتداعيات للحرب المقبلة.


الإدارة الأميركية لن تعرقل سير مناقشة قانون محاسبة سوريا، وإن لم تكن بصدد إقراره بصيغته المطروحة

الجواب الأميركي
وبالنسبة للولايات المتحدة فإنها لم تتأخر بالجواب، ففي يوم الخميس الماضي وخلال جلسة استماع أمام اللجنة الفرعية للاعتمادات في مجلس النواب، وصف وزير الخارجية كولن باول الوجود السوري العسكري في لبنان، ولأول مرة بأنه "احتلال"، وشكك باحتمال أن تؤدي إعادة الانتشار السوري الأخيرة إلى انسحاب شامل. وهذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها باول كلمة "احتلال" لوصف الوجود السوري العسكري في لبنان.

كما ستعقد جلسة استماع في آخر أبريل/ نيسان المقبل حول السياسة الأميركية تجاه سوريا وستناقش قانون محاسبة سوريا مجددا، ومن المؤكد أن الإدارة الأميركية لن تعرقل سير المناقشات حول القانون كما حصل في السابق، وإن لم تكن بصدد إقراره بصيغته المطروحة، لأنه سيفرض عليها أعباء لا تحتملها في الوقت الراهن بسبب انشغالها بالشأن العراقي، ولكن لا يستبعد أن تستفيد من هذه الفرصة لتوجه رسالة قوية لسوريا.

وكذلك لا يستبعد أن يدخل الشأن اللبناني مرة أخرى دائرة الاهتمام الأميركي ولو ببطء، وذلك على أساس أنه الثغر الذي يسهل أن تؤتى منه سوريا، فما زال هناك بعض الأطراف في المعارضة المسيحية اللبنانية تتخذ موقفا مناوئا لسوريا، وهي مستعدة لأن تسير في أي خط يوفر لها الخلاص من الوجود السوري وعلى رأسها الجنرال ميشيل عون.

ومن المؤكد أن القيادة السورية تتوقع مرحلة جديدة من العلاقات مع واشنطن، وقد بدأت بوادرها تظهر للسطح بقوة مع ظهور نوايا أميركا بالحرب على العراق، ولعل الصيغة الجديدة التي ستقوم عليها العلاقات ستتحدد بشكل واضح بعد انتهاء فصول الأزمة العراقية، وتحاول القيادة السورية مسابقة الإعدادات الأميركية للحرب، بإعداد الساحة اللبنانية الداخلية وتسهيل فتح حوار وطني بين جميع الأطراف، وقد تتخذ دمشق إجراءات غير متوقعة شبيهة بإعادة الانتشار الأخير من بعض المناطق اللبنانية، مما يمكنها من جذب بعض المعتدلين من المعارضة المسيحية الذين يرون أن انسحابا سوريا شاملا ليس مفيدا لهم، لأن بعض الوجود السوري سيبقى ضامنا لوجودهم السياسي الفاعل في ظل غياب أي ضامن آخر في المرحلة الراهنة.

وفي حال نشوب الحرب على العراق لن يستبعد تصعيد محدود على جبهة جنوب لبنان مع إسرائيل، لأن أي توتر أميركي سوري ستستغله إسرائيل بقدر المتاح، وستترجمه عسكريا بحيث يكون رسالة أميركية غاضبة، وسيعود الحديث عن حزب الله وعلاقته بسوريا، مع التذكير بأن واشنطن تضع حزب الله على لائحة المنظمات الإرهابية.

ومن المؤكد أن أي تصعيد أميركي تجاه سوريا لا بد أن يصحبه تحذيرات لدمشق من إيوائها لمنظمات فلسطينية إرهابية حسب التصنيف الأميركي مثل حماس والجهاد وغيرهما، غير أن الوقت المناسب لتوجيه مثل هذه الاتهامات بجدية أكبر سيرجئ لما بعد الأزمة العراقية الحالية، لأن أي إزعاج لسوريا من هذا الباب سيرتد إزعاجا على واشنطن نفسها، لأنه سيدخلها إلى الملف الفلسطيني من حيث أرادت الخروج منه.


اللهجة السورية العنيفة التي اعتمدتها دمشق في مجلس الأمن تنبئ بأن سوريا تتخوف من تغيير حقيقي لخريطة المنطقة
دوافع الموقف السوري
إن الجواب الذي قدمه بعض المحللين بأن سوريا بالغت في معارضتها للحرب لأنها ستكون الهدف التالي بعد العراق، وأضفى على هذا التحليل مصداقية مندوب سوريا السابق لدى الأمم المتحدة هيثم الكيلاني بقوله "لا ننفي أننا نخشى حربا على العراق، ثمة اعتقاد حكومي بأن سوريا ستكون التالية".

واللهجة السورية العنيفة التي اعتمدتها دمشق في مجلس الأمن تنبئ بأن سوريا تتخوف من تغيير حقيقي لخريطة المنطقة، وهو ما انعكس على أدائها العربي أيضا، حيث جاء بيان وزراء الخارجية العرب التحضيري للقمة الطارئة مخالفا لرغبات بعض الدول الخليجية، واعتبر البعض أن البيان عكس الموقف السوري وخاصة العبارة التي تطلب ضرورة تجنب الدول العربية تقديم أي نوع من المساعدة أو التسهيلات لأي عمل عسكري يؤدي إلى تهديد أمن وسلامة العراق ووحدة أراضيه.

وجاءت كلمة الرئيس السوري بشار الأسد في قمة شرم الشيخ في هذا السياق، حيث قال مشيرا إلى الحرب على العراق إن "الجميع سيكونون في قلب هذا الخطر وسيكونون مستهدفون.. ربما ليس مباشرة ومن المرحلة الأولى ولكن على مراحل". وفي سياق دعوته العرب إلى عدم تقديم أي تسهيلات للحرب ذهب إلى حد القول عن القوات الأجنبية المتواجدة في الخليج "لا يحق لأي دولة أن يخرج تأثير هذه القوات خارج حدودها سواء كانت قوات صديقة أو شقيقة أو قوات وطنية، أي تأثير لهذه القوات يخرج خارج حدود هذه الدولة تصبح هذه الدولة دولة معتدية وعندها عليها أن تتحمل المسؤولية كاملة".

فسوريا وضعت نفسها في موقف لا يجاريها فيه إلا لبنان، ولا يحميها من تداعياته إلا سقف الحلف الفرنسي الألماني إذا ما استمر هذا الحلف في السير نحو استقلاله عن السياسة الأميركية بنفس الوتيرة، بينما الأرض العربية تسحب من تحت أقدامها، فعلاقتها مع دول الخليج العربي عموما ومصر تتعرض لفتور لأن حسابات تلك الدول تلتقي مع بعض حسابات واشنطن، فضلا عن ذلك فإن الموقف السوري من الأزمة العراقية يتباين مع حليفها الإستراتيجي إيران المثقلة بهموم مصير الطائفة الشيعية في العراق، إلا أن ما يجمع طهران ودمشق أكثر مما يفرقهما، وعند أي سخونة على جبهة الجنوب اللبناني (حزب الله-إسرائيل) يعقبها تنسيق عال بين الطرفين.

إن الأداء السياسي السوري في مواجهة الأزمة العراقية جعلها وجها لوجه مع واشنطن، الأمر الذي يطرح على المخطط السياسي السوري العديد من التحديات في المرحلة المقبلة، والتجربة العربية في مواجهة الأزمة العراقية أظهرت أن العرب لا يمكن التعويل عليهم، فهم أعجز من أن يقفوا في وجه واشنطن ولو بالحد الأدنى.

إلا أن ردة الفعل الدولية ولا سيما الأوروبية منها بخصوص الحرب على العراق، أثبتت أنها قادرة على المواجهة بغض النظر عما ستؤول عنه مواجهتها مع الولايات المتحدة، خاصة أن سوريا استطاعت أن تتخذ على الدوام الموقع الذي يساعد الآخرين على مساعدتها.
ــــــــــــــــ
* قسم البحوث والدراسات-الجزيرة نت.

المصدر : الجزيرة