زكريا حسين
ما تكوين الجيش العراقي؟ وما طبيعة الأسلحة التي يعتمد عليها العراقيون حاليا؟ ولماذا لجأت القوات العراقية إلى أسلوب إشعال الحفر النفطية في المدينة؟ وهل المقصود به عرقلة القصف الجوي أم التقدم البري؟ وهل يستطيع القصف الجوي والصاروخي بمفرده أن يحسم معركة بغداد؟

هذه الأسئلة وغيرها توجهت بها الجزيرة نت إلى اللواء الدكتور زكريا حسين المدير الأسبق لأكاديمية ناصر العسكرية العليا وأستاذ العلوم الإستراتيجية، فكان الحوار التالي:

حوار: سيدي أحمد بن سالم و محمد السيد غنايم

سيادة اللواء، بداية نود أن نعرف تكوين الجيش العراقي وطبيعة الأسلحة التي يعتمد عليها العراقيون حاليا؟


الجديد في هذه الحرب أن العراق أحسن استخدام ما لديه من قدرات وإمكانيات لمواجهة المخطط الأميركي العسكري
القوات المسلحة العراقية يبلغ قوامها 380 ألف جندي، وتتشكل من 30 فرقة متنوعة أبرزها:

  • 7 فرق من الحرس الجمهوري.
  • 4 فرق حرس رئاسي.
  • 15 لواء مدرعا.
  • حوالي 2000 دبابة مختلفة الأنواع.
  • حوالي أكثر من 200 طائرة قتالية مختلفة الأنواع.
  • أكثر من 1100 صاروخ متعدد المدى بدءا من مدى 11 كم إلى مدى 135 كم.
  • مجموعة من راجمات الصواريخ وخلافه.

ولكن أريد أن أوضح أن الموضوع ليس بالعدد، وإنما بالكفاءة القتالية والكفاءة الفنية بالدرجة الأولى.. صحيح أن الكفاءة الفنية للجيش العراقي تأثرت بالحصار، فعلى مدى عشر سنوات أو أكثر كان ممنوعا على العراق أن يستورد قطع غيار وأي مواد تسليحية من أي اتجاه وبالتالي انعكس ذلك على الكفاءة الفنية بالدرجة الأولى لهذه الأسلحة، ولكن الجديد في هذا أنه أحسن استخدام ما لديه من قدرات وإمكانيات لمواجهة المخطط الأميركي العسكري وهذا هو الجديد في الموضوع.

إذن فقد نجح الجيش العراقي في استخدام ما لديه من إمكانات في هذه المعركة حتى الآن.

بالطبع، فرغم وجود فرق كبير جدا في القدرة والإمكانيات والكفاءة القتالية بين الجيش العراقي والقوات المسلحة الأميركية والبريطانية، فإن الجيش العراقي نجح فعلا في استخدام ما لديه من إمكانيات وقدرات استخداما متميزا تمشى مع ما تطلبه الموقف الدفاعي الذي يجب أن يكون في مواجهة هذا العدوان.

هل يعني ذلك أن استعصاء أم قصر والفاو وبعض المدن الجنوبية على القوات الغازية إنما يعود للتوظيف الجيد من قبل الجيش العراقي لتلك الأسلحة؟

الجيش العراقي لا يحارب بمفرده، وإنما نجحت القيادة العراقية في توظيف الملايين مما يسمى فدائيو صدام وجيش القدس الشعبي والمليشيات الأخرى وكان لها دور فاعل جدا -إلى جانب القوات المسلحة العراقية- خاصة قوات الحرس الجمهوري فيما نراه الآن من مقاومة أعلن عنها قائد الفيلق الخامس الجنرال وليام والاس نفسه حين قال "تمكنت المقاومة العراقية متمثلة في فدائيي صدام وجيش الشعب بالتعاون مع قوات الحرس الجمهوري من إفشال كل المحاولات الأميركية البريطانية للهجوم على مدن البصرة والناصرية ومشارف مدينة النجف وكربلاء والمثنى"، وبالطبع رأينا بشكل قاطع عدم قدرة قوات التحالف من السيطرة على أي منها حتى الآن.

هل لك أن تصف لنا وضع القوات العسكرية العراقية على الجبهتين الشمالية والجنوبية؟ وهل العراق يعول عليهما كثيرا؟


أعد العراق نفسه إعدادا رفيع المستوى لحصار طويل لهذه المدن قد يمتد لعدة شهور من خلال تخزين كل احتياجاتها من المواد الغذائية والتموينية وأيضا الذخائر التي تمكنها من الصمود لفترة طويلة

الجديد في هذا الموضوع أن القيادة العراقية بشكل عام بدأت التخطيط الإستراتيجي على شيء رئيسي جدا، وهو توفير قدرات وإمكانيات قتالية لكل مدينة رئيسية وفرعية من المدن العراقية المنتظر أن يتم الاستيلاء عليها. ووفرت هذا الأمر بقدرات متواضعة من القوات المسلحة من جانب، والاعتماد الأكبر جدا على الجيش الشعبي والفدائيين من الجانب الآخر. الأكثر من هذا -وأنا أتكلم كلاما دقيقا- أنها أعدت إعدادا رفيع المستوى لحصار طويل لهذه المدن قد يمتد لعدة شهور من خلال تخزين كل احتياجاتها من المواد الغذائية والتموينية وأيضا الذخائر التي تمكنها من الصمود لفترة طويلة. هذا الكلام أدى إلى أن استخدام القوات المسلحة العراقية بالتعاون مع المليشيات كان متركزا فقط داخل المدن الرئيسية ولم تعبأ القوات العراقية في أن توزع جهودها على مطاردة التحركات على الطرق طولا وعرضا على امتداد المدن كلها وعلى امتداد الثلاث جبهات الرئيسية سواء جبهة الشمال أو الوسط أو الجنوب.

ومن هنا كنا نلاحظ أن حركة القوات الغازية على الطرق بشكل عام دائما كانت حركة بلا مقاومات كما لاحظنا في بداية العمليات، فقد كان التحرك واسع المدى للقوات الأميركية في الجنوب لمسافة أكثر من مائة ميل في أقل من 24 ساعة بسرعة حوالي 40 كم في الساعة، وهذا يؤكد أنه كان بحسبان المخطط العراقي بعثرة القوات الغازية على الطرق والمحاور، وهو استخدام جيد لأنه أدى إلى النتائج التي نراها وهي المقاومة الشرسة داخل المدن.

هل يعني ذلك أن المخطط العراقي عمل على استيعاب القوات الغازية داخل الخطوط ثم عمل بعد ذلك على مهاجمتها ومباغتتها؟

الجديد في الطرق هو التنظيم، وهذا الكلام ظهر مؤخرا، واستحدث على الإستراتيجية العراقية عندما اكتسبت الثقة في المقاومة وإفشال الهجمات على المدن، حيث تم تنظيم العديد من الكمائن على الطرق والمحاور وخاصة ضد الأنساق الإدارية المتحركة الأميركية والبريطانية.. هذه الكمائن نجحت في إحراز نجاحات كبيرة على هذه الأرتال الإدارية مما أثر بشكل بالغ المدى على الإمداد الإداري والفني للقوات الأنغلوأميركية، فأصبح مسار صعوبات كبيرة تواجهها هذه القوات نتيجة هذه الغارات الناجحة. وهذه الغارات تنفذها قوات محدودة جدا، لكنها تستخدم الأرض استخداما جيدا، ولديها أسلحة صغيرة ولكن ذات كفاءة عالية، مثل الصواريخ الفردية المضادة للطائرات وقواذف اللهب وغيرها.

فيما يتعلق بالهجوم البري جنوبا باتجاه بغداد، هل تستطيع القوات الغازية التي لابد أن تقطع حوالي 600 كم لتصل إليها، تأمين خط إمدادات برية بطول هذه المسافة؟

هذا يعد من ضمن الأخطاء التي وقعت فيها الإدارة العسكرية الأميركية، لأنها عندما قررت هذا التحرك البري البعيد المستوى أو بعيد المدى كان تصورها أنها ستحسم المعركة والعمليات وتستولي على بغداد خلال أيام معدودة، وبالتالي لن تضطر إلى إقامة خطوط إمدادات برية طويلة ولفترات طويلة. لذا فإن هذا التقدير الخاطئ الذي تناقلته وسائل الإعلام وخاصة الإعلام الأميركي، أدى إلى تعرض وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد لانتقادات شديدة باعتباره لم يقدر تقديرا سليما قدرة ومقاومة الشعب العراقي وقواته المسلحة.

أعلنت القوات الغازية خشيتها سابقا من طول أمد الحرب إلى فصل الصيف، إلى أي مدى يمكن أن يؤثر المناخ والطقس الحار على الأسلحة أو الجنود الغزاة؟

كما تعلم فالجندي الأميركي والبريطاني جندي مرفه وجندي يعيش في جو له مواصفات معينة الغالب فيها هو درجة الحرارة المعتدلة جدا، عندما يدخل في معارك في وقت تشتد فيه جدا العواصف الرملية وترتفع فيه درجة الحرارة بشكل كبير جدا فإنه لا يتحمله، وبالتالي يفقد قدرة عالية جدا من قدراته الذاتية في إدارة المعدات وإدارة الأعمال القتالية.

إذا ما انتقلنا إلى داخل بغداد، نرى أن القوات العراقية بدأت منذ بدء العمليات بإشعال الحفر النفطية في المدينة، لماذا لجأت إلى هذا الأسلوب؟ وهل المقصود به عرقلة القصف الجوي أم التقدم البري؟


إشعال الوقود على المداخل وحول المدن وداخلها، يعرقل بالدرجة الأولى الهجوم البري

من أجل الدقة في التحليل يجب أن نقول إن القوات الأميركية والبريطانية خاصة القوات الجوية والصاروخية تتمتع بقدرات تكنولوجية عالية جدا ومعظمها موجه بأشعة الليزر والأقمار الصناعية وتتم برمجة رؤوسها المدمرة بالحواسب الآلية، وبالتالي تستطيع العمل في جميع الأحوال الجوية السيئة وجميع أحوال الرؤية الضعيفة، حتى أنه من ضمن ما خططت له قوات التحالف وتم إحباطه هو أن العمليات الأساسية تتم ليلا لأنها تجيد القتال الليلي، أو بمعنى أدق إمكانياتها التكنولوجية تجيد العمل ليلا والتي يمكن أن تحيل الليل إلى نهار حتى على مستوى الأفراد وذلك من خلال النظارات وأجهزة الرؤية الليلية. ومن هنا فإن عملية إشعال الوقود على المداخل وحول المدن وداخلها، يعرقل بالدرجة الأولى الهجوم البري لأنه عند مهاجمة أي مدينة نستهدف فقط مهاجمة المداخل والمخارج لها، وواقعيا لا يمكن حصار كردون المدينة على إطلاقه، لأن في هذا تضييعا للوقت والجهد واستنزافا للقوة المسلحة بلا طائل.

إذن هذا ينقلنا إلى سؤال آخر وهو: ما سر ثقة المسؤولين العراقيين باستحالة دخول القوات الغازية بغداد؟

من الواضح جدا أنه كي يتم إسقاط النظام بالدرجة الأولى وحسم المعركة لابد أن تسقط بغداد، فالمعركة الأولى والأخيرة هي بغداد لأنه لا يمكن السيطرة على نظام وإسقاطه إلا بسقوط العاصمة، وهنا كان التركيز الشديد جدا على المقاومات المتعددة والمتلاحقة من حفر الحفر المليئة بالنفط إلى الموانع الخرسانية المختلفة إلى نطاقات الأسلاك والألغام في كل اتجاه وتنظيم احتياطيات متعددة جدا على كل المخارج والمداخل، كل هذا يعضده قوات الحرس الجمهوري بكثافة أكبر داخل بغداد بالقدر الذي يصعب جدا عملية اقتحام هذه المدينة.

سيادة اللواء.. هل نفهم من ذلك أن بغداد العاصمة تتمتع بوجود عسكري ضخم داخلها؟

نعم بالدرجة الأولى لأن القيادة العراقية الرئيسية والقصور الرئاسية التي شكلت فرق الحرس الرئاسي الأربعة والحرس الجمهوري لتأمينها أساسا موجودة ببغداد، وهناك جزء رئيسي لقوات الحرس الجمهوري في العاصمة أيضا، من أجل هذا نرى أن جميع الهجمات الجوية والصاروخية الأميركية البريطانية منصبة بالأساس على أماكن تركز هذه القوات بالذات.

من وجهة النظر العسكرية هل يستطيع القصف الجوي والصاروخي بمفرده أن يحسم معركة بغداد؟

لا يمكن بالطبع، لأن الأمر يتطلب احتلال المدينة واحتلال المرافق الرئيسية فيها والأجهزة السيادية بالدرجة الأولى حتى يمكن إعلان السيطرة على الدولة كلها من خلال السيطرة على هذه الوسائل، وهذا لابد له من حركة على الأرض متمثلة في قوات برية لتتمكن من احتلال هذه المرافق. ولهذا أقول إن القصف سيستمر حسب المخطط الجديد وسيتواصل القصف الجوي والصاروخي بكثافة كبيرة وباستخدام وسائل بالقدر الذي يحدث صدمة نفسية ويضعف جدا المقاومة الأرضية بما يمهد للدخول البري.


برأيك.. هل ستشهد الحرب الحالية مفاجآت غير متوقعة؟


أتوقع أن القوات العراقية ستصمد أقصى درجة صمود ممكنة، وأنها تلعب بالدرجة الأولى على عامل الزمن الذي يؤثر في معنويات الجنود الأميركيين والبريطانيين، وعلى تحرك المجتمع الدولي الذي يرى كل هذه الفظائع بكل أنواعها

ما لا نتمناه أن يتواصل القصف الجوي والصاروخي وأن تزداد وسائل التدمير التي تملكها الولايات المتحدة الأميركية من يورانيوم منضب ومثل أم القنابل ذات قدرة العشرة أطنان التدميرية والسبعة أطنان التدميرية والقنابل الحارقة، وما إلى ذلك من وسائل التدمير البشعة بالقدر الذي يؤدي إلى تدمير كامل للدولة العراقية وخاصة بغداد. وهذا ما نخشاه في إطار ما أعلنه الرئيس جورج بوش حين قال إنه لن يقبل بأقل من النصر ووضع نظام جديد بالعراق، وبالتالي فإن هذا يعني أنه سيستمر في القصف الجوي والصاروخي البشع إلى أن يتم تدمير بغداد.

أما في الجانب العراقي فأنا أتوقع أن المقاومة ستصمد لأقصى درجة صمود ممكنة وأنها تلعب بالدرجة الأولى على:

  1. عامل الزمن الذي يؤثر في معنويات الجنود الأميركيين والبريطانيين.
  2. تحرك المجتمع الدولي الذي يرى كل هذه الفظائع بكل أنواعها، وبعد أكثر من 11 يوما على الحرب لم يحدث أي اجتماع حاسم لاتخاذ قرار بوقف العمليات، وهو ما لم يحدث في أي معارك على مستوى التاريخ حتى الآن.

معركة بغداد إذن هي المعركة الحاسمة كما ذكرتم، برأيكم كيف سيتم الدفاع عن المدينة وما الذي سيركز عليه العراقيون؟

كي أدافع عن مدينة متسعة مثل بغداد ذات الخمسة ملايين مواطن لابد بالدرجة الأولى أن يكون التركيز على إغلاق جميع مداخلها ومخارجها سواء الرئيسية منها والفرعية أو حتى المسارب الصغيرة التي تؤدي إلى المدينة، وذلك باستخدام مختلف وسائل الدفاع برص الألغام ووضع الكتل الخرسانية واستخدام الاحتياطات المختلفة من البشر والأنساق المختلفة من القوات حسب مدى الأسلحة المتوفرة، وكل هذا في إطار احتياطيات متدرجة يمكن أن تتدخل بالتالي لفض أي اختراقات على أي مدخل بالدرجة الأولى. هذا إلى جانب التوسع الزائد في عمل الموانع التي تعوق حركة الدبابات والمركبات ذات الجنزير داخل الشوارع، ثم بدء مرحلة جديدة من القتال داخل كل بيت وكل شارع وكل حي إذا حصل اختراق لأي منها.
_______________
* قسم البحوث والدراسات، الجزيرة نت.

المصدر : الجزيرة