* نوزات صواش-إسطنبول

ترددت أنباء عن تزايد قلق ومخاوف زعماء الفصائل الكردية المنتشرة شمالي العراق نتيجة المقاومة الشرسة التي أبدتها القوات العراقية في مواجهة الغارات الأميركية والبريطانية، إلى جانب عدم سماح أنقرة للقوات البرية الأميركية بالعبور عبر أراضيها إلى شمالي العراق.

وقال أحد المحللين في شبكة سي إن إن التركية استنادا إلى وكالة إخلاص للأنباء إن زعيمي حزب الاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني والحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البرزاني قد ألمحا إلى رغبتيهما في التراجع عن التعاون الأميركي المشترك إذا استمرت العمليات العسكرية على منوالها الراهن. ويرى الزعيمان أن الحشود العسكرية التي تم إنزالها في المنطقة عبر السلاح الجوي وبأسلحة خفيفة لا تكفي لإحراز فوز في مواجهة القوات العراقية. وقد تولدت هذه الفكرة لدى الزعيمين بعد أن خاضت قواتهما اشتباكات مع جماعة أنصار الإسلام وبعض فرق الجيش العراقي في المنطقة التابعة للنظام العراقي.

وقد جاء الرد الفوري على ذلك من جانب الولايات المتحدة حيث بدأ مستشار الرئيس بوش زلماي خليل زاده مباحثات مكثفة لطمأنة زعماء الفصائل الكردية تبعتها انطلاق الفرقة 173 الأميركية من إيطاليا عبر الجو وإنزالها في شمالي العراق الخميس. ويؤكد المراقبون أن المخاوف الكردية تتركز في عدة نقاط، منها فشل العملية العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة نتيجة ضعف في التخطيط والتوقعات وتلاشي جميع الأحلام والمخططات المتعلقة بمستقبل العراق في ظل الصمود العراقي القوي. هذا إلى جانب احتمال هزيمة فادحة في الجبهة الشمالية بسبب الاعتماد على وحدات صغيرة لا تمتلك سوى أسلحة خفيفة. وأخيرا مخاوف من توغل القوات التركية إذا دخلت قوات البشمركة الكردية مدينتي الموصل وكركوك.

يذكر أن القوات التابعة لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني المدعومة من قبل الجنود الأميركيين قد لقيت مقاومة شرسة في منطقة جمجمال، وقد انعكس التأثير السلبي لهذه المقاومة على لسان أحد المسؤولين العسكريين التابعين للاتحاد حين قال "نعيش حالة من خيبة الأمل".

الوجود التركي في شمالي العراق
في هذه الأثناء لم تنقطع المباحثات بين الجانب التركي والأميركي حول الوجود التركي في شمالي العراق. فبينما يكرر المسؤولون الأميركيون بين الحين والآخر تفهمهم للمخاوف التركية وإعطاءهم الضمانات اللازمة كي لا يقع المحظور، تصمم أنقرة على إدخال عدد من قواتها في شمالي العراق. وتشهد العاصمة التركية والمناطق الشرقية حركة عسكرية ودبلوماسية مكثفة للبت بشأن هذه القضية. وقد فسر بعض المراقبين موقف واشنطن السلبي إزاء الوجود التركي في شمالي العراق كرد فعل لرفض البرلمان التركي مشروع القرار في اليوم الأول من مارس/ آذار الجاري والذي كان يسمح بانتشار قوات أميركية على الأراضي التركية، وهو ما أدى إلى تأخر العملية العسكرية وأضعف يد واشنطن في فتح الجبهة الشمالية للحرب وأدى إلى خسائر فادحة في جنوبي العراق.

ويركز المسؤولون الأتراك في جميع مؤتمراتهم الصحفية واجتماعاتهم مع المسؤولين الأميركيين والمعارضة العراقية على أن الوجود العسكري التركي في شمالي العراق إنما يقوم على أغراض إنسانية وأمنية، وهو استقبال أفواج اللاجئين داخل الحدود العراقية وتأمين الإغاثة الكافية لهم، إلى جانب عدم السماح لأي فوضى إدارية وأمنية في المنطقة بسبب الحرب. وبينما تريد واشنطن من أنقرة أن تكتفي بوجود ستة آلاف جندي تركي، تواصل تركيا إصرارها على أن يكون هذا العدد بين 15 و20 ألفا. وتود أنقرة أن تتوغل قواتها المسلحة 20 كلم في شمالي العراق وهو ما يراه المسؤولون الأميركيون كثيرا. وقد أكد المسؤولون الأتراك وعلى رأسهم رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ورئيس الأركان حلمي أوزكوك، أن القوات التركية لن تدخل العراق محتلة وستعود إلى تركيا عقب انتهاء الحرب واستتباب الأمن على الأراضي العراقية.

الدور التركي في الحرب
واكتسب الدور التركي أهمية كبيرة خاصة بعد فشل القوات الأميركية في تحقيق أهدافهم المتوقعة على الجبهة الجنوبية وإدراكهم ضرورة فتح جبهة قوية في الشمال لكسر المقاومة العراقية والوصول إلى بغداد وتحقيق النصر المرغوب. وبينما كان صقور واشنطن يدلون بتصريحات فحواها حتمية النصر ولو بدون تركيا وتحدي أنقرة في كثير من الأحيان بلهجة قاسية، تبينوا أخيرا أن الهزيمة ستكون حليفهم إذا لم يحصلوا على المساندة التركية، ومن ثم عادوا لمغازلة أنقرة من جديد. وقد ظهرت آثار ذلك في الميزانية الإضافية التي عرضها الرئيس الأميركي على الكونغرس والتي تقر إعطاء تركيا مبلغا ماليا مقداره مليار دولار كهبة أو تحويل هذا المبلغ إلى 8.5 مليارات قرضا فوريا.

ويرى المراقبون أن أنقرة وفي ظل التطورات الأخيرة للحرب العراقية قد احتلت مركز المفتاح، وامتلكت أوراقا قوية في طاولة المفاوضات مع المسؤولين الأميركيين فيما يتعلق بدخول قواتها شمالي العراق ولعبها دورا فعالا في تشكيل المنطقة إذا ما انتهت بهزيمة النظام العراقي الحالي.

وفي هذا السياق ورغم التأكيدات التركية حول النوايا الحسنة فقد واصل مسؤولون في الاتحاد الأوروبي تحذيراتهم لأنقرة من دخول قواتها شمالي العراق. جاء ذلك على لسان مندوب الاتحاد الأوروبي كونتر فرهويكين الذي أكد أنه إذا دخلت القوات التركية شمالي العراق فسوف يؤثر ذلك سلبا على مناسباتها مع الاتحاد الأوروبي، وأن ذلك سيتم تحليله في تقرير العام 2004 المتعلق بالدول المرشحة لعضوية الاتحاد.
ـــــــــــــــــ
* الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة