حاملة الطائرات الأميركية ثيودور روزفلت تعبر قناة السويس

حوار: محمد عبد العاطي*

هل يحق لمصر أن تمنع السفن الحربية الأميركية والبريطانية التي تمر عبر قناة السويس والمتوجهة لغزو العراق؟ ولماذا عملت على غلق باب المندب في وجه السفن الحربية أثناء حرب 1973 ولم تفعل الشيء نفسه في الحرب على العراق؟ ألا تمثل الحرب تهديدا للأمن القومي العربي والمصري أيضا فيحق لها حينئذ منع هذه البوارج؟ وما الذي يمكن أن يفعله العراق لمنع استغلال أمواله المجمدة لدى الولايات المتحدة في إنفاقها على الحرب التي تستهدف أمنه واستقلاله وتسعى الإدارة الأميركية لاستغلالها في هذا الاتجاه الآن؟ وأخيرا ما مدى قانونية المساعى التي يقوم بها الأمين العام للأمم المتحدة حاليا بدءا من إيقاف برنامج "النفط مقابل الغذاء" إلى محاولة تحويل مخصصاته لدفع فاتورة الحرب الأميركية البريطانية؟

إبراهيم يسري
هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها السفير إبراهيم يسري مدير إدارة القانون الدولي والمعاهدات الدولية بوزارة الخارجية المصرية سابقا في الحوار التالي:

سعادة السفير.. العراق يتعرض الآن لحرب غير شرعية تستهدف أمنه واستقلاله وتعرض مواطنيه لخطر الموت في كل لحظة، بل ويتعدى خطر هذه الحرب لتشمل المنطقة العربية بأكلمها بما فيها مصر نفسها.. كل هذا والحكومة المصرية ترى السفن الحربية المتجهة لضرب العراق تمر عبر قناة السويس ولا تحرك ساكنا. ما الذي يمنعها؟

مصر مقيدة بنصوص اتفاقية القسطنطينية الموقعة عام 1888 والتي تنظم الملاحة في قناة السويس. وبموجب هذه الاتفاقية فإن الملاحة حرة تماما في قناة السويس، ولا سلطة لمصر على هذه الملاحة، ولا تستطيع أن تمنعها بموجب القانون الدولي إلا في حالة واحدة وهي أن تكون مصر نفسها قد تعرضت لهجوم، وأن تعلن حالة الحرب على دولة ما. وفي هذه الحالة فإن من حقها أن تمنع سفن الدولة التي تحاربها من المرور عبر قناة السويس. أما في ما عدا هذه الحالة فوفقا للاتفاقية السابقة ووفقا لقواعد القانون الدولي لا تستطيع مصر أن تمنع مرور السفن الحربية أو غير الحربية المتجهة من أي جهة سواء من البحر الأبيض أو من البحر الأحمر وأيا كانت الدولة التي ترفع علمها، طالما أن مصر ليست في حالة حرب مع هذه الدول، وطالما أن هذا لا يتعلق بحقوق مصر في الدفاع عن سيادتها وأمنها الإقليمي.

فلماذا إذن عملت مصر على غلق باب المندب الواقع في مدخل البحر الأحمر أمام السفن التي كانت تهدد أمنها أثناء حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973؟ أين اتفاقية القسطنطينية هنا؟

اتفاقية القسطنطينية لا تنطبق على هذه الحالة، لأن الترتيبات التي اتخذت في باب المندب تمت بموجب قرارات الأمم المتحدة، وهذه القرارات ليست لها صفة الإلزام الكامل كما لاتفاقية القسطنطينية.

سعادة السفير دعني أسألك بصراحة، الحرب الدائرة الآن في العراق تهدد -كما قال اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة قبل يومين- الأمن الجماعي العربي، ومصر أحد أركان هذا الأمن قد وقعت على معاهدة الدفاع العربي المشترك، ألا يعتبر هذا مبررا قانونيا كافيا للعمل بعيدا عن قيود اتفاقية القسطنطينية؟

لو قامت الدول العربية بتفعيل ميثاق معاهدة الدفاع العربي المشترك أو ميثاق جامعة الدول العربية التي تنادي بتضامن الدول العربية في التصدي للعدوان على أي دولة منها.. لو قامت هذه المحاولات بالفعل على الأرض، بمعنى أن تشترك مصر وغيرها من الدول العربية في عمليات صد العدوان بصورة عسكرية، في هذه الحالة تكون مصر في حالة حرب، ويحق لها أن تمنع السفن التي قد تعادي العراق أو الدول العربية من المرور في قناة السويس.

هذه البوارج أو السفن في أغلبها تسير بوقود نووي ويخشى في حالة عطب هذه السفن أن يحدث تلوث بيئي للقناة وللمدن المحيطة بها، ألا يحق لمصر هنا أن تتخذ من هذا ذريعة لمنعها؟

بالقطع من حق مصر منع أي بارجة أو سفينة تسير بالوقود النووي حرصا على البيئة.

كيف تتأكد مصر من أن هذه البوارج يمكن أن تمر من قناة السويس بسلام دون أن تعرض المنطقة لخطر نووي؟

الفيصل هنا هو أن تكون السفينة نفسها تدور بمحرك نووي، أما محتويات السفينة خاصة إذا كانت حربية فلا يجوز وفقا للقانون الدولي والبحري تفتيشها لأنها مسألة تتعلق بسيادة الدولة التي ترفع علمها.

وهل تبلغ هذه السفن بنوعية المحرك الذي تستعمله قبل أن تدخل قناة السويس؟

نعم بالقطع تبلغ عن نوعية محركها قبل الدخول إلى الممر المائي.

سعادة السفير، دعنا ننتقل إلى موضوع آخر قريب الصلة أيضا من مجال تخصصك في القانون الدولي ومن واقع خبرتك الطويلة في العمل الدبلوماسي وفي الأمم المتحدة، كيف ينظر القانون الدولي إلى مسألة رغبة الولايات المتحدة الأميركية وعزمها استغلال الأموال العراقية المجمدة لديها في إعادة إعمار ما تدمره الحرب، أو في ما أشارت إليه بعض الأنباء من احتمال استغلالها لهذه الأموال في تمويل الحرب نفسها؟

هذا الأمر يتعلق أساسا بالقانون الداخلي الأميركي الذي يفترض أن يمنع مصادرة الأموال إلا في حالات خاصة. وأنا أعتقد أن الذي حدث هو مجرد تجميد للأموال دون أن يكون للحكومة الأميركية حق التصرف فيها.. هذا وفقا للقانون الأميركي. أما في القانون الدولي فهذا إجراء شاذ لا تقره قواعد القانون الدولي، ولكنه ممكن في حالات الحرب.

فما الإجراء الذي يمكن للعراق أن يتخذه إذا سارت الأمور واتخذت هذا المنحى؟

يمكن أن يلجأ إلى القضاء الأميركي نفسه ويطلب رفع أمر التجميد، ويطالب بحق العراق في أمواله، ولكن يوجد في الولايات المتحدة مبدأ معروف يعطي للرئيس حق إصدار القرارات في أمور معينة، وهنا ستكون معركة قانونية شرسة، ولكن على الأرجح يكون قرار التجميد محل بت قضائي.

كوفي أنان
سؤال أخير سعادة السفير خاص بقرار الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان إيقاف برنامج "النفط مقابل الغذاء" والمحاولات التي ينشط فيها الآن لاستصدار قرار من مجلس الأمن بالموافقة على تعديلات على مخصصات هذا البرنامج وطرق توزيعها خاصة في ما يتعلق بإعادة إعمار ما تدمره القوات الأميركية والبريطانية.. كيف ينظر القانون الدولي إلى هذه التحركات؟ وما مدى أحقية الأمين العام في مسعاه هذا؟

أولا أستطيع أن أقول إن قرار مجلس الأمن الذي يستند إليه برنامج "النفط مقابل الغذاء" وأيضا البرنامج نفسه باطل بطلانا مطلقا وفقا للقانون الدولي. وقرار الأمين العام لوقف هذا البرنامج أيضا باطل لأنه لا سلطة له في تعديل هذا البرنامج، لأنه صادر بقرار من المجلس ولا يلغى ولا يعدل ولا يوقف إلا بقرار من مجلس الأمن. ومن هنا فإنه بطلان على بطلان، وليس للأمين العام أن يوقف البرنامج ولا أن يستولي على أمواله ولا أن يوجهها أو يخصصها لأي وجهة أخرى.
_______________
* قسم البحوث والدراسات - الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة