وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف في مؤتمر صحفي عقب بدء الحرب

محمد السيد غنايم*

قيل للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنك ما بارزت أحدا إلا غلبته.. فما سر ذلك؟ فرد قائلا "إذا استقبلت خصمي فإني أعلم بأني سأقتله، وهو يعلم بأني غالبه، فأكون أنا ونفسه عليه فأقتله".

هذا هو الهدف الرئيسي الذي يسعى مخططو أي معركة لأن يتوفر في جنودهم, والذي من أجله رصدت الحكومات الحديثة الميزانيات الضخمة لإدارة ما يسمى الصراع الإعلامي أو الحرب الإعلامية التي تمهد للحرب العسكرية التقليدية وتستمر معها بهدف رفع الروح المعنوية للجنود من ناحية وتثبيط همم جنود العدو من ناحية أخرى، إلى جانب بعض الأهداف الأخرى التي من أهمها كسب الرأي العام المحلي والخارجي بما يساهم في دعم المعركة لصالح طرف ضد آخر.

تأثير الكلمة والصورة في إدارة الصراع:
في حالة الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأميركية مدعومة ببريطانيا ضد العراق، نجد أن الأولى بدأت في تفعيل هذا الجانب المهم من جوانب الصراع بهدف التمهيد للحرب أولا، ثم تثبيط همم الجنود العراقيين في مراحل لاحقة أثناء سير العمليات. وقد بدا ذلك واضحا من خلال تسجيل الأحداث التالية:

  • تومي فرانكس يعدد الانتصارات الأميركية أثناء مؤتمر صحفي بقاعدة السيلية في الدوحة
    سعت إدارة الحرب الأميركية لترويج أن الحرب الحالية هي خيار عراقي. فالحكومة العراقية هي التي رفضت مهلة اليومين الممنوحة للرئيس العراقي لمغادرة البلاد وإلا واجه الحرب.. وكان أن اختار الأخير البقاء في بلده، فكانت الحرب.
  • مع بدء العمليات العسكرية في اليوم الأول روجت إدارة الحرب الأميركية أن هدفها هو اغتيال الرئيس العراقي، لذا كانت الهجمة الأولية الجوية الصاروخية بأربعين صاروخ كروز بسيطة ومركزة في أماكن القصور الرئاسية بالعاصمة بغداد، أملا في أن تثبت للعالم أنها بالفعل تسعى لتحرير العراق من حاكمه فقط. كما أكدت كذلك أن لدى قواتها أسلحة متطورة دقيقة "ذكية" لا تخطئ أهدافها العسكرية التي تم تحديدها استخباراتيا بدقة متناهية، وأنها ستتفادى المدنيين ومناطقهم.
  • مع بدء الهجوم البري في الجنوب نقلت شاشات التلفزة العالمية صورا لجنود عراقيين يستسلمون للقوات الأميركية وآخرين يحيون المحررين الجدد.. وهكذا أرادت إدارة الحرب الأميركية نقل هذه الصورة إلى داخل صفوف القوات العراقية الحقيقية المقاتلة بغرض إحداث البلبلة في أوساطهم وتثبيط عزائمهم، ثم إلى العالم كي تثبت صدق ادعاءاتها من ضجر العراقيين بنظامهم الحاكم وانتظارهم المخلص (الأميركان) لتحريرهم منه.
  • مع اشتداد المعارك بدخولها يومها الثاني وما تلاها بدأت إدارة الحرب الأميركية في استخدام الكلمة المسموعة، فسعت إلى الترويج لانتصارات حققتها في الجنوب حيث بدأ الهجوم البري.. فذكرت أولا استيلاءها على ميناء أم قصر العراقي على الخليج العربي ثم سقوط الفاو، ثم استيلاءها على حقول النفط الجنوبية بما فيها حقل الرميلة العراقي الذي ينتج مليون برميل نفط يوميا، ثم دخول البصرة، وانتهت بتأكيد استسلام الفرقة 51 التابعة للجيش العراقي بأكملها في الجنوب، في حين نراها تصف المقاومة العراقية في تلك المناطق بلفظ "جيوب المقاومة" تصويرا للعالم بأن هذه المقاومة محدودة جدا وفي هيئة جيوب متناثرة غير منظمة هنا أو هناك، مما يوحي بسهولة القضاء عليها وبالتالي تقصير أمد الحرب.
  • يضاف إلى ذلك ترويج إصابة ومقتل المسؤولين العراقيين في النظام الحالي بهدف إحداث نفس التأثير السلبي في صفوف القوات العراقية، والإيحاء للعالم الخارجي بأن الحملة الحالية تؤتي ثمارها المرجوة بالتخلص من النظام العراقي وأعوانه.
  • وحينما تأكد للعالم تكبيد القوات الأميركية البريطانية بعض الخسائر، كان لابد لإدارة الحرب الأميركية أن تتحرك باتجاه آخر هو نسبة هذه الانتصارات لأسباب خارجية، منها ما تكلم عنه الرئيس الأميركي جورج بوش نفسه حين قال إن الروس زودوا العراقيين بأسلحة متطورة "محظورة".

التأثير المعاكس للكلمة والصورة:
كان لرد الفعل العراقي تجاه الأحداث السابق ذكرها أثره في الرد على تلك المقولات، مستغلين في ذلك كلا من الكلمة والصورة معا لإحداث التأثير العكسي:

  • استهداف المناطق المدنية في بغداد
    صبيحة أول يوم للقصف نقل العراق خطابا متلفزا للرئيس العراقي صدام حسين مثل صدمة لإدارة الحرب الأميركية التي أعلنت استهدافه شخصيا قبل ساعات، الأمر الذي لم يحسب لصالحها في هذه الحرب الدعائية.
  • حرص العراقيون على متابعة التأكيدات الأميركية وملاحقتها بغرض عرض الصورة العكسية لها، خاصة فيما يتعلق بتركيزهم على الأهداف العسكرية بمدينة بغداد وغيرها من المدن التي استهدفها القصف. وكان لتحرك وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف بمصاحبة عدد من الصحفيين إلى الأماكن المدنية والتراثية التي قصفت وسط العاصمة أثره في إعطاء صورة مخالفة لتلك التأكيدات المذكورة سلفا، إضافة إلى تنقل وسائل الإعلام داخل المستشفيات الحكومية التي اكتظت بالقتلى والجرحى من المدنيين العراقيين في بغداد والبصرة، وبعض المدن الشمالية التي قصفت جويا وصاروخيا.
  • استخدم العراقيون الصورة في الرد على حدوث انشقاقات داخل الصف العراقي أو استسلامات في صفوف الجيش، فنقل التلفزيون العراقي لقاء مع قائد الفرقة 51 اللواء خالد الهاشمي كما عرض العراقيين من المدنيين والعسكريين في شوارع بغداد وبعض المدن وهم متلاحمون، وركز على روحهم المعنوية والقتالية العالية والتفافهم حول القيادة.
  • نقل التلفزيون العراقي صور عدد من القتلى والأسرى الأميركيين سقطوا في معارك مختلفة مع القوات العراقية، إضافة إلى صور بعض المجنزرات والمعدات وطائرة أميركية من طراز أباتشي قيل إن فلاحا عراقيا بسيطا أسقطها ببندقية قديمة، الأمر الذي أثر إيجابيا في رفع الروح المعنوية لدى العراقيين، وكان أن تنقلت كاميرات التلفزة في الشوارع تصور فرحتهم بتحقيق نصر تمثل في تكبيد العدو الخسائر.
  • قائد الفرقة 51 اللواء خالد الهاشمي يتحدث لمراسل الجزيرة
    كما كان لظهور الرئيس العراقي للمرة الثانية في خطاب متلفز، وأكثر من مرة مع عدد من مسؤوليه أثر آخر في الرد على أخبار أميركية بأنه قتل أو جرح أو بدأ يفقد السيطرة على إدارة الحرب.
  • توالى بعد ذلك اعتراف الإدارة العسكرية الأميركية البريطانية بتكبد الخسائر ومواجهة مقاومة عنيفة وشديدة في أماكن ذكرت من قبل استيلاءها عليها بالكامل، مما شكل تراجعا في مدى مصداقية ما تنقله وسائلهم الإعلامية عن سير العمليات، وصب في ذات الوقت لصالح الكفة العراقية التي أكدت الحدث المسموع بالصورة وربطت بينهما.

معارضة الحرب وأثرها الإعلامي:
رغم تفاوت الموقف الإعلامي الغربي من هذه الحرب فإنها اتسمت منذ البداية بالتشكيك الشديد في مدى مشروعيتها، وهو ما انعكس على قراءات بعض المحللين السياسيين والعسكريين الذين استضافتهم الإذاعات وشاشات التلفزة العربية والعالمية فانطلقوا في عرض تحليلاتهم وهم منحازون وجدانيا ضد الحرب، بما صب في النهاية لصالح العراق.

وهذا الأمر لم تستطع العديد من الحكومات العربية والعالمية إخفاءه أيضا، واتضح ذلك من خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي أصدر بيانا أدان فيه الحرب ووصفها بالعدوان ورفض إدراج بند كويتي يدين ما أسماه "العدوان العراقي"!! كما رفضت العديد من الحكومات الكبرى مثل روسيا وفرنسا وألمانيا والصين هذه الحرب ووصمتها رسميا بعدم المشروعية، بل إن بعضها أعلن رفضه الاعتراف بالإدارة العراقية الجديدة التالية لهذه الحرب.

ورغم عدم التكافؤ الواضح بين الجيشين وإدارتيهما الإعلامية في هذه الحالة التي عرضناها، فإن الوقائع والصور تثبت أن الإدارة الإعلامية للجيش العراقي أفلحت حتى الآن في تسجيل نقاط لصالحها. ولعل هذا يمثل في الجانب الآخر استمرارا لحالة عدم الاتزان التي يعاني منها الجيش الأميركي الذي لم يخرج حتى الآن من أفغانستان، بعد أن صور للعالم كله أنها لن تصمد أمامه أكثر من أيام.
_______________
* الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة