جندي أميركي يصوب بندقيته تجاه القوات العراقية

علمت الجزيرة نت أن حادث معسكر بنسلفانيا في الكويت أسفر عن مقتل جندي أميركي وإصابة 13 آخرين, جروح ستة منهم خطيرة. وقالت مصادر مطلعة إن الجندي الأميركي مرتكب الحادث الذي يخضع لتحقيق مكثف قد ألقى ثلاث قنابل على خيمتين لقيادة المعسكر.

وقد أعاد هذا الحادث الذي مثل مفاجأة كبيرة في الساحة الكويتية ولدى العسكريين الأميركيين أنفسهم، مشاهد الاعتداءات المتكررة على القوات الأميركية على أيدي كويتيين منذ تدفق القوات الغازية إلى الكويت منتصف العام الماضي استعدادا للحرب على العراق.

وكانت القوات الأميركية تعرضت منذ قدومها إلى الكويت لعدة اعتداءات على أيدي كويتيين يرفضون الوجود الأميركي على أرض الكويت ويعتبرونه -وفق بيانات صادرة عنهم- رأس رمح لمشروع استعماري صليبي شامل للمنطقة العربية بأسرها، ولذا وجب الجهاد ضدهم والاستشهاد دفاعا عن الأراضي الإسلامية.

مروحية تطير فوق جزيرة فيلكا حيث قتل جندي أميركي وأصيب آخر في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي
ولم تظهر أي مؤشرات لهذا الفكر علنا على الساحة الكويتية قبل حوادث الاعتداء على العسكريين الأميركيين، كما لم يتردد بين الناس في أي مناقشات علنية وإنما ظهر فجأة عبر حادث اعتداء يوم الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي على مجموعة من الجنود الأميركيين كانوا يستعدون لإجراء مناورات "الصولجان المتحمس" في جزيرة فيلكا الكويتية بالخليج, مما أدى إلى مقتل عسكري أميركي وجرح آخر, كما قتل منفذا العملية أنس الكندري وجاسم الهاجري بنيران القوات الأميركية.

وأحدث الهجوم في حينه دويا في الكويت وعلى مستوى العالم بالطبع, وبدا الأمر وكأن هناك جيشا خفيا بدأ حربا ضد الوجود الأميركي في الكويت. وبدأت جميع الأطراف تتوجس من الآتي المجهول، لكن انتفاضة إعلامية على الجانب الآخر اجتاحت البلاد منددة بما حدث وحرصت على حشد آراء وفتاوى ومواقف شتى القوى والتيارات والخبراء والعلماء ليجرموا ما حدث ويثبتوا أنه غريب على الكويت ولا يعدو أن يكون عملا فرديا مستنكرا ومرفوضا دينا وسياسة، وبدأت جهات عدة التحرك كل بإمكاناته لبيان الأمر الصحيح من وجهة نظرها في هذا الحدث.

وزارة الأوقاف وعلى لسان وزيرها أحمد باقر سارعت إلى التأكيد على أن لديها خطة لمواجهة هذا الفكر المتطرف تقوم على:

* نشر الفتاوى الشرعية الصحيحة -حسب وصف الوزير- التي توضح خطورة هذا الفكر.
* اعتماد 20 كتابا يناقش التطرف وتوزيعه على الأئمة والخطباء.
* عمل مطويات توضح كيفية تعامل الشباب إذا وقع تحت فكر إرهابي، محددة أسماء خمسة من العلماء وأرقام هواتفهم للاتصال بهم والتأكد من صحة ما يقولونه.

وفي الوقت نفسه أعلن عن تشكيل لجنة تضم خبراء من وزارات الإعلام والأوقاف والتربية لدراسة التصدي للظاهرة إعلاميا وتربويا وشرعيا، إلا أن هذه الجهود الرسمية خبت مع تناقص دوي الحدث.

ولم تخف الفتاوى والمواقف الصادرة والحملة الإعلامية الكبيرة ضد ما حدث لحظة تشييع مرتكبي الحادث عند المقبرة، فقد شق الصمت الذي خيم على المشيعين أصوات تطالب بعدم الصلاة على الجنازة لأن صاحبيها شهيدان والشهداء لا يصلى عليهم، وهنا اختلط الحابل بالنابل بين مؤيد لتلك الفتوى المفاجئة ومطالب بالصلاة عليهما ثم اتفق الجميع على الصلاة. لكن مفاجأة أخرى فجرتها كلمة تأبينية من الشيخ جابر الجلاهمة الذي اعتبر الكندري والهاجري من الشهداء طالبا من الحضور تهنئة ذويهما على ما قاما به وعجز عن فعله الكثيرون فكان مصيره التوقيف.

ثم نشرت الصحف بعد ذلك وصية كتبها أنس الكندري قبل إقدامه على العملية يقول فيها "إن أعداء الإسلام سيعلمون أن هناك رجالا يغارون على أعراض المسلمين وينتفضون لنصرة إخوانهم ولو كان الثمن دماءهم وأنفسهم وأموالهم", وأضاف أن "الجهاد هو طريق الخلاص من العار والحل لتحرير المقدسات". وقد أنبأت الوصية عن فكر يقف خلف العملية يعتنق الجهاد والاستشهاد لمقاومة الوجود الأجنبي في البلاد.

شرطي كويتي يحقق في قضية إطلاق كويتي النار على موظف أميركي في يناير/ كانون الثاني الماضي

ومرت البلاد بعد ذلك بحالة من الهدوء الحذر حتى قطعه فتى في السابعة عشرة من العمر وهو يحاول الاعتداء على عمارات سكنية يقطنها عسكريون أميركيون في منطقة "المهبولة" شمالي غربي الكويت يوم 18 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وذلك بواسطة قنبلتي مولوتوف. لكن تم احتواء الحادث بعد ضبط المتهم، وأعلنت مصادر أمنية أنه "مريض نفسيا ويعاني من انفصام في الشخصية".

لكن لم يكد ملف هذا الحادث يغلق حتى فاجأ ضابط الصف خالد الشمري الساحة المتوجسة من تنامي الظاهرة بهجوم على جنديين أميركيين في منطقة نائية، وبعد اختفاء لمدة يومين قبضت عليه السلطات السعودية وسلمته للسلطات الكويتية. لكن -ومرة أخرى- صدرت مؤشرات بأنه لا ينتمي لأي جماعات دينية وأنه يعاني من اضطرابات نفسية، ونشرت الصحف تقريرا صادرا عن عيادة أحد الأطباء النفسيين يثبت إصابة المتهم "باضطراب وأرق وضعف في التركيز وأن حالته لا تتحسن".

ثم هدأت الأوضاع ليعود سامي محمد المطيري لتفجيرها يوم 21 يناير/ كانون الثاني الماضي بإطلاق النار على اثنين من العسكريين الأميركيين فقتل أحدهما وجرح الآخر. ولم يتدخل هنا الطب النفسي، فقد أعلن المطيري صراحة أنه يعتنق أفكار زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وبرر عمليته قائلا "لأنني لا أحب الأميركيين نفذت وصية أسامة بن لادن.. يجب طرد الأميركيين من الكويت والمنطقة".

وهكذا توالت العمليات حتى هددت واشنطن بتخفيض بعثتها الدبلوماسية في الكويت، وقال مسؤول في الخارجية الأميركية "ندرس الوضع المتعلق بأمن مسؤولينا ومواطنينا بدقة". نفس القلق بدأ يساور السلطات البريطانية فحذرت رعاياها باتخاذ الحيطة والحذر. وسرى حديث عن احتمال تطبيق الأحكام العرفية في البلاد، لكن النائب الأول لرئيس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد الجابر قطع التكهنات مؤكدا عدم تفكير السلطات في ذلك، لكنه قال "لو حصل أي شيء يضطرنا إلى أن نستخدم الأحكام العرفية فسنعلنه".

على أرض الواقع لم يلمس المراقب لهذه الحوادث الجديدة على الشارع الكويتي تحركا مبرمجا ومخططا له من قبل العلماء الشرعيين والخبراء التربويين ورجال الإعلام وكل أجهزة التوجيه والتفكير لمعالجة ما يجري فكريا وشرعيا، بل لم يلمس المراقب نوعا من النقاش والمناظرة المغلقة, مثلا مع من يحملون هذا الفكر المحرك للعنف، بل إن كثيرا من الفتاوى التي صدرت تتعلق بالعدوان على مدنيين أجانب ولم تشر إلى عسكريين.

ومن هنا فإن ما قيل عن عمليات للتوعية لم يكن له أثر محسوس على أرض الواقع، ومن هنا فإن التحرك في هذا الجانب لا يمكن وضعه إلا في خانة "مواقف المناسبات". وانحصر الجهد العملي المحسوس فيما عله رجال الأمن الذين بذلوا جهودهم في التقصي والملاحقة والتحقيق مع المتهمين وكل من له صلة بهم.

وبقي الحال هكذا، فريق يعتقد بوجوب الجهاد والاستشهاد ضد الوجود الأميركي بصفته غزوة صليبية لبلاد المسلمين، وهو وإن كان ضعيفا وقليل العدد فإنه يمثل خطرا ويبدو أنه يتنامى مع تفجر الحرب على العراق وتنامي الشعور بالكراهية والعداء للولايات المتحدة في العالم الإسلامي.

ولا شك في أن الفتاوى الصادرة عن الأزهر الشريف والشيخ يوسف القرضاوي صاحب الشعبية الواسعة في أوساط الجماهير المسلمة بالجهاد ضد العدوان الأميركي على المنطقة، أوجدت مستندا قويا ومرجعية دينية كبرى لموقفهم. ومن هنا لم يتوان معتنقو هذا الفكر عن إطلاق موقع جديد على الإنترنت يعلنون فيه قبل بدء الحرب بيومين فقط عن تشكيل حركة "حماس كويتية" لمقاومة ما أسموه بالاحتلال الصليبي للكويت. وقالو إنهم أقدموا على تلك الخطوة "امتثالا لما أمر الله به من دحر المعتدين والغزاة بكل سبيل مشروع" بعد أن بلغتهم فتويا الأزهر والقرضاوي "اللتان نصتا على فرضية الجهاد لدحر الغزاة في حالة الهجوم على بلادنا الإسلامية الذي يعد الهجوم على العراق -وليس النظام البعثي- توطئة له".

وفي اليوم الأول للحرب أزالت السلطات الكويتية شعارات "الموت لأميركا" من على أسوار إحدى المدارس، وبدا أن التيار المعارض للوجود الأميركي في المنطقة مازال موجودا. فالمسألة إذن مرشحة للتطور والظاهرة مرشحة للاتساع وكسب أنصار جدد خاصة مع انفراد أميركا بقرار الحرب.

وقد أصبح من العسير معالجة المسألة فكريا وإقناع هذا التيار بالعدول عن رأيه، خاصة مع تزايد الفتاوى الشرعية من مراجع دينية معتبرة، وتزايد الإدانة الدولية لقرار الحرب، وهو ما مثل تيارا جارفا ضد الحرب الأميركية لم يعد في مقدور أحد أن يوقفه إلا أن يصدر قرار من الرئيس الأميركي جورج بوش بوقف الحرب وعودة القوات إلى بلادها وهو أمر بعيد المنال.

المصدر : الجزيرة