الحرب وخطورة مقترحات أنان
آخر تحديث: 2003/3/22 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/1/20 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2003/3/22 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/1/20 هـ

الحرب وخطورة مقترحات أنان

الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان

محمد عبد العاطي*
ربما كان مفهوما أن يتخذ الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان قرارا بسحب المراقبين الدوليين من الحدود العراقية الكويتية، وبترحيل المفتشين التابعين لأنموفيك والوكالة الدولية للطاقة الذرية من العراق قبيل بدء الحرب التي تشنها حاليا الولايات المتحدة وبريطانيا خارج مظلة الأمم المتحدة
، وربما لقي مبرره بالخوف على حياة هؤلاء الموظفين الأمميين بعض القبول في الأوساط الغربية. لكن من غير المفهوم والمبرر تحركه الحثيث حاليا لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي بالموافقة على التعديلات التي يقترحها على برنامج النفط مقابل الغذاء والتي تضفي شرعية على الحرب الأميركية البريطانية على العراق، وتمثل خطورة على مستقبل العراق والأمم المتحدة معاً.

هذا التقرير يستعرض طبيعة التعديلات التي يقترحها الأمين العام ويلقي الضوء على انعكاساتها على الحرب الدائرة الآن وتداعياتها المحتملة على مستقبل العراق في المرحلة القادمة.

برنامج النفط ولجنة تحديد الاحتياجات
تأسس برنامج النفط مقابل الغذاء استنادا إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 986 الصادر في 14 أبريل/ نيسان 1995 والذي يمكن العراق من بيع نفطه الخام مقابل مبلغ من المال لا يتجاوز مليار دولار كل 90 يوما واستخدام العائدات المالية النفطية هذه في شراء الإمدادات الإنسانية التي يحتاجها. ويعهد القرار تنفيذ ذلك إلى لجنة خاصة مهمتها تحديد هذه الاحتياجات. ثم أدخل تعديلا على هذا البرنامج بموجب قرار 1284 لسنة 1999 الذي نصت المادة 15 فقرة ج منه على أن يأذن للدول، بغض النظر عن أحكام بعض الفقرات من القرار 661 (1990) والقرارات اللاحقة ذات الصلة، بأن تسمح باستيراد أي كمية من النفط أو المنتجات النفطية التي منشؤها العراق بما في ذلك المعاملات المالية وغيرها من المعاملات الرئيسية التي لها صلة مباشرة بذلك حسب ما تقتضيه الأغراض والشروط المبينة في القرار 986 (1995) والقرارات ذات الصلة.

تعليق البرنامج

كان برنامج النفط مقابل الغذاء يلبي بعض حاجات الأسر العراقية

سار العمل بهذا القرار اعتبارا من عام 1996 حتى اليوم السابق لبدء الحرب الدائرة الآن (بدأت فجر الخميس 20/3/2003) وذلك بإعلان الأمين العام للأمم المتحدة إيقاف العمل ببرنامج النفط مقابل الغذاء.

وربما اعتقد كوفي أنان أن قراره هذا سوف يفسر كما فسر من قبل قراراه السابقان اللذان سحب بموجبهما المفتشين من العراق والمراقبين الدوليين من الحدود الكويتية العراقية، وذلك بدعوى الخوف على حياة الموظفين الأمميين العاملين في مكاتب الأمم المتحدة الذين يشرفون على تطبيق هذا البرنامج، لكن الاعتراضات الكبيرة التي واجهته من قبل الدول الرافضة للحرب لم تكن في الحسبان.

فلم يكتف المعسكر الدولي الرافض للحرب برفض هذه المقترحات والإعلان صراحة عن عدم المشاركة في تقديم أي مساعدات تتوجه لإعادة إعمار ما تدمره القوات الأميركية -كما صرحت بذلك ألمانيا وفرنسا- فحسب، بل وصل الأمر بالبعض إلى التشكيك في نزاهة الأمم المتحدة نفسها في تعاملها مع الحرب الدائرة رحاها الآن.

وكان آخر هؤلاء السفير محمد الدوري المندوب العراقي الدائم لدى الأمم المتحدة والذي قال اليوم إن موقف الأمين العام لا يتمشى مع الأعراف المتبعة في هذه المنظمة الدولية ولا مع ميثاقها الذي ينص على إصدار الأمين العام بيان إدانة ودعوة مجلس الأمن على الفور إلى الانعقاد إذا تعرضت دولة عضو لعمل عسكري غير شرعي.

تعديلات أنان المقترحة
قدم كوفي أنان مقترحات جديدة عمل حثيثا في اليومين الماضيين على حشد التأييد الدولي لها داخل مجلس الأمن، وكان أهم بنود هذه التعديلات ما يلي:

  • أن يرخص للأمم المتحدة وبقرار من مجلس الأمن الدولي باستغلال عائدات النفط العراقي وأمواله المجمدة في البنوك الأميركية وغيرها لإعادة إعمار ما تدمره القوات الأميركية البريطانية التي تشن حاليا حربها على العراق.
  • أن يكون للأمم المتحدة الحق كاملا في التعاقد مباشرة مع الشركات المستوردة للنفط العراقي والتعاقد كذلك مع الشركات الموردة للمواد الغذائية له.
  • تعمل الأمم المتحدة بمفردها -وليس بمساعدة الحكومة المركزية في بغداد- على توزيع المواد الغذائية في كل المحافظات العراقية وعدم الاكتفاء بالمناطق الشمالية كما كان الحال قبيل الحرب.

مبررات المعارضة
هذه هي التعديلات التي اقترحها الأمين العام، وقد أثارت هواجس ومخاوف الكثير من المراقبين وووجهت باعتراضات كثيرة من قبل العديد من دول العالم، وكان أهم مبررات الرفض لهذه التعديلات ما يلي:

  • أنها لم تعد تتحدث عن شرعية أو عدم شرعية الحرب الحالية.
  • أنها تطالب العراق الذي تتعرض ممتلكاته ومقدراته الوطنية للتدمير على أيدي القوات الأميركية البريطانية بدفع فاتورة هذا التدمير من عائدات نفطه، أي كأنها تطالب المجني عليه بأن يدفع فاتورة قتل الجاني له.
  • أنها تنزع عن الحكومة العراقية الشرعية وذلك بنزع واحدة من أهم سلطاتها في تأمين الإمدادات الغذائية وتوزيعها على السكان.
  • أن الأمم الأمم المتحدة تريد أن تتصرف في الحرب الحالية وكأن الحكومة العراقية الحالية سقطت وأن هناك حكومة أخرى بديلة نصبتها القوات الأميركية المنتصرة لحكم العراق، وأن هذه التعديلات تصب في خانة تسهيل مهام الحكومة البديلة هذه.

لجنة خبراء
وإزاء مبررات الفريق الرافض للتعديلات التي يسعى الأمين العام للأمم المتحدة إلى إدخالها على برنامج النفط مقابل الغذاء، تمخض الشد والجذب بين الطرف الأميركي والبريطاني والإسباني المؤيد لهذه التعديلات وبين المعسكر الرافض لها وعلى رأسه فرنسا وألمانيا وروسيا والصين عن مقترح بدأ يتردد صداه داخل أروقة الأمم المتحدة -ربما يكون تعاملا مناسبا مع هذه القضية وإن لم يأخذ بعد شكلا قانونيا رسميا- يقضي بتشكيل لجنة من خبراء الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن لدراسة مقترحات الأمين العام من الناحية القانونية والرد عليها.

وفي انتظار تشكيل هذه اللجنة وبدء عملها فإن المتفائلين لا يزالون يرون أن لدى الأمم المتحدة الكثير لتفعله أكثر من مجرد تضميد الجراح، ويرون أن الأمر يحتاج إلى الإبداع السياسي والدبلوماسي والخروج سريعا من صدمة الضربات العسكرية العنيفة التي يتعرض لها العراق حاليا، وإسراعهم بتقديم مبادرات لإيقاف الحرب وعدم انتظار أمر واقع تفرضه لغة القوة التي يطغى صوت قاذفاتها على لغة العقل التي يحتاج العالم إليها الآن.
______________
قسم البحوث والدراسات- الجزيرة نت.
انظر:
-
نص قرار مجلس الأمن الدولي رقم 986 لسنة 1995 الخاص ببرنامج النفط مقابل الغذاء
- نص قرار مجلس الأمن رقم 1284 لسنة 1999 الخاص بتعديل برنامج النفط مقابل الغذاء، الفقرة ج

المصدر : الجزيرة