الرئيس العراقي صدام حسين يستعرض هديته في عيد ميلاده

"ولدت في العراق وفيه سأموت".. هذه العبارة أطلقها الرئيس العراقي صدام حسين قوية حادة مدوية من أعماقه بكل ما فيه من هدوء ورباطة جأش، أثناء لقائه وفدا روسيا بقيادة رئيس الوزراء الروسي الأسبق يفغيني بريماكوف في بغداد الشهر الماضي. وكانت عبارة الرئيس صدام تلك ردا على سؤال وجهه له بريماكوف بشأن مسألة تنحيه عن السلطة ومغادرته العراق لتجنيب بلاده غزوا أميركيا محتملا.

يفغيني بريماكوف
وعلى عكس التقارير التي تحاول إظهار الرئيس العراقي وكأنه يعيش في عزلة بعيدا عن العالم والاتصال الخارجي، فقد أفاد بريماكوف أن الرئيس صدام يدرك أن الحرب قادمة لا محالة، ويدرك أنه ينتظر مصيره المحتوم إدراكا جيدا. ويضيف أن صدام على علم واطلاع كافيين بما يجري حوله في العالم، وأنه مدرك للتهديدات التي تحيط به، وهو في كامل استعداده لمواجهتها.

ويفيد دبلوماسي غربي مقيم في بغداد أن بريماكوف -الصديق القديم لصدام- أفاد عقب اللقاء أن الرئيس العراقي لن يغادر بلاده إلى أي مكان وأنه سيحارب حتى النهاية، مضيفا أن صدام تلازمه رؤية ثابتة بأنه البطل العربي الذي يقاتل الغزاة والمستعمرين الإمبرياليين دفاعا عن الأمة، وأنه يرغب في أن يكون الجندي الصامد والمدافع الثابت الأخير عنها، كما يود أن يبقي صورة البطل مطبوعة في عقول أبناء شعبه وأبناء المنطقة.

وصدام حسين المعروف بإعجابه بالقائد والمفكر السوفياتي السابق جوزيف ستالين، ليس عنده توجه فكري معين، لكنه يتبنى فكرة الدفاع عن الأمتين العربية والإسلامية فضلا عن وطنه العراقي وحزب البعث الحاكم.

الرئيس صدام يتدرب على إطلاق صاروخ أر بي جي المضاد للدبابات
ولد الرئيس العراقي صدام حسين عام 1937 في الفترة التي كان فيها العراق يرزح تحت حكم ملكي فرضه الاستعمار البريطاني، ذلك الاستعمار الذي وطد علاقاته مع النخبة المالكة للأرض وأغلبهم من الأقلية السنية، فضلا عن إمداده للمؤسسة العسكرية في البلاد.

وباسم القومية العربية، قام الضباط العراقيون الأحرار بانقلاب على الحكم الملكي الهاشمي عام 1958، فقتلوا أفراد العائلة المالكة وقتلوا القائد السياسي البارز نوري السعيد المؤيد لبريطانيا.

وشهد العقدان التاليان ارتقاء صدام حسين التدريجي إلى قمة الهرم السياسي حتى أصبح رئيسا للبلاد عام 1979. وسرعان ما أصبح صدام حسين واجهة العراق، يحكمه بيد حديدية منذ 24 عاما حتى الآن، فعمت مهابته وانتشرت هيبته وتغلغلت في بلده والمنطقة.

وذكر دبلوماسي أوروبي أن دعوات كثيرة من مصادر عديدة وجهت للرئيس صدام كي يتنحى عن سدة الحكم ويغادر العراق، فيساهم في إنقاذ الأرواح ويجنب بلده والمنطقة مصائب الحرب وويلاتها. فقد حث مبعوث كنسي الرئيس العراقي مؤخرا "على وضع مصالح الشعب العراقي فوق كل اعتبار"، فما كان من صدام الذي استمع لتلك الدعوة بكل انتباه وحذر إلا أن أجاب بأنه ينظر إلى مصلحة الشعب العراقي من زاوية مختلفة.

يذكر دبلوماسيون أن فكرة تخلي صدام عن الحكم والعيش في المنفى كبديل للحرب ذابت وتبخرت من عقول كل أولئك الذين يعرفون الرجل، وهم يستشهدون برفضه الانسحاب من الكويت رغم المهلة النهائية لتجنب الحرب عام 1990. كما يشيرون إلى طريقة صدام في اتباع سياسة حافة الهاوية مع القوات الأميركية والبريطانية التي ما انفكت تقصف العراق منذ ذلك التاريخ، فبينما يجيد الرئيس صدام تقديم التنازلات التكتيكية المذهلة تحت الضغوط، يظل يعتبر مغامرا من الدرجة الأولى.

وفكرة الاغتراب تعد امتهانا لا يطاق لرجل يرى أن بقاءه في السلطة ومكانته في التاريخ يرتبطان ارتباطا وثيقا بحزب البعث الحاكم وبالدور الإقليمي للعراق في المنطقة.

الرئيس الأميركي جورج بوش
ويقول محللون إن صدام حسين يحتاج إلى أن يوظف كل القدرات المتوافرة لديه في فنون حرب الشوارع إذا ما أراد البقاء حيا أو أراد البقاء في السلطة، هذا إذا أصرت واشنطن على غزو بلاده لنزع أسلحة الدمار الشامل المزعومة، والتخلص من رجل تخشى أميركا سيطرته على المنطقة وتهديد مصالحها فيها.

ويقول عضو مجلس الدوما الروسي غينادي سيليزنوف الذي التقى الرئيس العراقي الأسبوع الماضي إن صدام حسين يبقى يوصف بأنه ذلك الرجل الهادئ الثابت الرزين رغم علمه بتزايد احتمالات مواجهته لأقوى جيوش العالم.

يدرك صدام أن أميركا ستهاجم العراق، ولكنه يعتقد أن هذا الغزو لن يكون نزهة أبدا. وهو أيضا يعي تفوق قوة النيران الأميركية، غير أنه يدرك جيدا أن المواجهة على الأرض ستكون أمرا مختلفا، وهي التي ستقرر النتيجة لأن جيش العراق وشعبه سيقاتلان بشراسة.

في المقابل يشير دبلوماسيون إلى أن اعتقاد صدام حسين بأن العراقيين سيهبون للدفاع عن شخصه يعد ضربا من الخيال. ويضيفون أنه حتى لو أراد العراقيون القتال والمواجهة، فهم يفتقرون إلى التسلح الجيد مقارنة بالآلة العسكرية الأميركية الضاربة التي يبدو أنهم سيواجهونها.

ويقول دبلوماسي إن كل الذين يقابلون الرئيس صدام يعدونه بالقتال إلى جانبه والدفاع فداء لشخصه لأنهم يهابونه ويخشون بطشه، فلا أحد من العراقيين يجرؤ أن يقول له غير ذلك أو أن يخبره بأن الأمر مختلف عن ذلك. ويضيف أن العراقيين لن يستقبلوا الجنود الأميركيين أو يعتبرونهم محررين لهم، ولكنهم في الوقت نفسه لن يخرجوا إلى الشوارع لمواجهتهم وقتالهم أيضا.

المصدر : رويترز