طوابير النفط والكتب في بغداد الحزينة
آخر تحديث: 2003/12/7 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/10/14 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2003/12/7 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/10/14 هـ

طوابير النفط والكتب في بغداد الحزينة

عراقيون يتجولون في شارع المتنبي حيث تعرض مئات الكتب (الجزيرة)

محمد داود- بغداد

لم يمنع المطر ولا عطلة الجمعة العراقيين من الوقوف في صفوف انتظار طويلة أمام محطات التزود بوقود السيارات، كما لم تمنعهم من التزاحم في شارع المتنبي لشراء الكتب.

طوابير الانتظار أمام محطات الوقود في بغداد وغيرها من المدن باتت مشهدا مألوفا في بلد مثخن بالجراح رغم كل الوعود والأمنيات والنوايا الحسنة في ظاهرها على الأقل.

يقول أصحاب تلك المحطات إن حصتهم اليومية من النفط انخفضت بمقدار 80%، فبعدما كانت تصلهم خمسة صهاريج يوميا اقتصرت الحصة على صهريج واحد فقط.

وزارة النفط تنفي ذلك وتؤكد أن سبب الأزمة إنما يكمن في دخول نحو 400 ألف سيارة إلى بغداد، ما أسهم في زيادة الطلب على الوقود. سلطة الاحتلال المسؤولة عن توزيع الوقود إلى محطات البيع تقول إن العراقيين هم سبب الأزمة، وتتهم المواطنين بتخزين البترول لبيعه في السوق السوداء.

قرب المحطات وعبر الشوارع الرئيسية يقف صبيان لبيع الوقود بسعر يناهز عشرة أضعاف سعره الرسمي، ولا يبدو رجال الشرطة المكلفون حماية المحطات أبرياء إذ يوعزون للصبية المنتظرين ملء أوعيتهم البلاستيكية بإخفاء ما لديهم إذا ما اقترب صحافي يحمل آلة تصوير من المكان.

يعتقد البعض في بغداد أن التضييق على معيشة المواطنين يستهدف صرف أنظارهم عن مشكلة الاحتلال والضياع في متاهات مستقبل استعصى على الرسم رغم مرور ثمانية أشهر على زوال النظام السابق.

مئات السيارات تنتظر في طوابير للحصول على وقود (الفرنسية)
ويقول آخرون إن تهريب النفط عبر الحدود إلى دول مجاورة لبيعه بأسعار أعلى هو السبب في الأزمة الحالية.

على الطريق بين سامراء وبغداد كانت عشرات الشاحنات الأميركية تتنقل بين القواعد المنتشرة على طول الطريق لنقل النفط وضخ الوقود في آلة الحرب الأميركية، إذ تؤمن واشنطن حتى اليوم أن على العراقيين دفع ثمن تحريرهم من قبضة صدام حسين وحزب البعث.

البطالة والأزمات المعيشية وحتى غياب الأمن والسلطة في رحم المستقبل المجهول لم تصرف العراقيين عن القراءة، ففي شارع المتنبي الشهير تنتشر الكتب على رفوف في محلات وأخرى على الأرصفة الممتدة على طول الشارع، ويزدحم العراقيون لشراء الكتب لا سيما الدينية منها.

وبين بائع ومشتر يدور حوار ثقافي رفيع عن أصول بعض العلماء والفقهاء من أين قدموا وأين عاشوا وبمن تأثروا، الحرب لم تنزع ثقافة العراقيين ولا رغبتهم بالتعلم.

كتب قديمة وأخرى ما زالت تحمل أختام مكتبات رسمية نهبت في الأيام الأولى للغزو، وأعداد من مجلات قديمة بدءا من مجلة المصور المصرية تتحدث عن أعراس الشهداء في فلسطين وتدعو أمه لإطلاق "زغرودة" وضرورة الصمود في وجه إسرائيل، وانتهاء بألف باء العراقية الشهيرة تتحدث عن منجزات القائد في الحرب مع إيران منتشرة على أرصفة شارع المتنبي.

يقول مراقب في بغداد إن الإقبال على شراء الكتب وقراءتها ربما كان تعبيرا عن ضياع الهوية، ومحاولة استشراف المستقبل في بطون الكتب، بعدما عز الجواب.

بغداد الحزينة تبدو عاتبة على العرب، فهي تستذكر شهداءهم بحسرة وحزن لكنها ترقب عجزهم بصمت وقلق. يعتقد كثيرون أن الخطاب القومي الملازم للقمع في عهد الرئيس المخلوع صدام حسين ولد ردة فعل لدى العراقيين ضد كل ما هو عربي. وغدت عبارات تشير إلى حق العراقيين لا العرب في العراق تسمع في ثنايا الحديث، وإن خفت الصوت وغلفت بأدب جم.

-----------------------
* الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة