عبد العزيز آل محمود- بغداد

المركز الدولي لرصد الاحتلال، شقة صغيرة متواضعة في أحد أحياء بغداد، يتطلب الوصول إليها اجتياز مستنقع من المياه الآسنة وضع الناس به بعض الصخور لتكون معبرا لهم حتى لا تقع أقدامهم فيما يكرهونه.

يتكون المركز كما رأيت من شقة صغيرة صفت في إحدى الغرف بعض أجهزة الحاسب الآلي وفي الغرفة الأخرى طاولة وبعض الكراسي لتكون غرفة اجتماعات ولشرب الشاي، أما المطبخ فكان عبارة عن موقد صغير في الشرفة التي خرجت إليها عندما حاولت إجراء مكالمة هاتفية بجهاز الثريا.

أعضاء المركز مجموعة من الصحفيين الأجانب من الذكور والإناث تديرهم سيدة يحترمونها ويقدرونها اسمها إيمان أحمد خماس، في الأربعينيات من عمرها، لديها الكثير لتقوله عن التجاوزات التي تقوم بها قوات الاحتلال في العراق، وجل الصحفيين الموجودين متطوعون لكشف تلك التجاوزات وعرضها على الرأي العام، يجمع بين هؤلاء الصحفيين عقيدة واحدة تتمحور حول الحفاظ على حقوق الإنسان والبيئة ويرون أن الولايات المتحدة الأميركية لا تهتم بما يهتمون به.

فعندما عرفت نفسي على صحفي فرنسي شاب صافحني بحرارة وسألني إن كنت قد سمعت عن القنبلة العجيبة التي ألقيت على المطار خلال المعركة الثانية، وعندما أجبته بالنفي قال "إن القوات الأميركية ألقت قنبلة على منطقة المطار التي كانت تكثر بها قوات الحرس الجمهوري وقاومت احتلاله".

وطلب مني زيارة مستشفى سماه لي لمقابلة بعض الأطباء الذين عالجوا الجرحى، وأضاف أن الجرحى كانوا يعانون من حروق غريبة لم يشاهدها الأطباء من قبل، وقد قامت قوات الاحتلال بجمع الجثث ورميها في منطقة مجهولة وأغلقت المطار لمدة شهرين حتى تم تنظيف المنطقة من تأثير تلك القنبلة الغريبة، وأن الأشجار المحيطة بالمطار قد فقدت ورقها وأصبحت شبه ميتة.

كانت السيدة خماس على وشك مغادرة المركز حين قالت إنها طلبت زيارة مركز السرطان في المستشفى وإنها تقدمت للحصول على تصريح بذلك، فعلمت منها أن زيارة المستشفيات عموما تحتاج إلى تصريح من السلطات، فهل هناك أمر تريد قوات الاحتلال إخفاءه عن أعين الصحافة؟

في موقع ليس ببعيد عن المركز يقع مبنى قديم متهالك تنوء واجهته بلافتات كثيرة، صعدت السلم المظلم ثم تبعت لوحة كتب عليها "الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان" وعندما دخلت الغرفة هممت بالعودة على أعقابي فقد كانت سوداء بفعل النيران التي أشعلت بها خلال مرحلة السلب.

على يسار الغرفة الواسعة الباردة كانت هناك ثلاثة مكاتب يجلس على أحدها رجل أشيب الشعر بفعل الهموم أكثر منها بفعل الزمن، إنه السيد عصام الجلبي رئيس المركز الذي اشتكى من كثرة المشاكل وقلة ذات اليد، فكما قال "لا أحد يهتم بمشاكل الاغتصاب والسرقة والنهب المسلح، الجميع منشغل بأمور أخرى لا أعلمها، ولكن أليس من الأجدى الاهتمام بالمشاكل الاجتماعية التي يعاني منها الناس؟".

تكثر عمليات الخطف للحصول على فدية، ولدى السيد الجلبي حالات باع فيها ذوو المخطوف كل ما يملكونه للحصول على المبلغ حتى تم إيصاله للمختطفين ولكن المخطوف لم يظهر حتى تاريخ زيارتي له.

تتنوع حوادث الاختطاف لتطال أطفالا وسيدات، وذكر لي قصصا عانت فيها الفتيات من الاغتصاب، فالأمن كما يقول مفقود وحالات التفكك الأسري تنذر بكارثة اجتماعية، فقد أطلق النظام السابق سراح 120 ألف مجرم من السجون قبل سقوط بغداد، وهؤلاء ليس لهم عمل أو وسيلة لكسب العيش سوى السرقة والخطف والسلب المسلح.

تعاني المنظمات غير الحكومية والهيئات الاجتماعية والإغاثية من ضيق ذات اليد، فتعدد الجبهات وتنوعها شتت قوتها، فالجيش الأميركي بحاجة إلى من يتابع تجاوزاته، والشرطة العراقية تحوم حولها الكثير من علامات الاستفهام كما قال السيد جلبي، والوضع الاقتصادي والاجتماعي ينذران بكارثة يصعب حلها مستقبلا.

غادرت مقر الجمعية متجها إلى شارع أبو نواس وقطعت جسر الجمهورية باتجاه فندق فلسطين الذي تحول إلى قلعة حصينة بعد محاولة التفجير الأخيرة، لقد تحول الشارع السياحي المشهور إلى كتل أسمنتية ودشم يقوم على حراستها مسلحون، تجوبها سيارات عسكرية أميركية تخرج من نوافذها فوهات المدافع الرشاشة.

ومع كل تلك الأسلحة حولي شعرت بغياب الأمن وهشاشة الوضع وسرعة تفجره، فهل يكفي مركز صغير لمراقبة جيش لجب؟ وهل تكفي جهود جمعية لا تملك قيمة طلاء غرفة لمراقبة مأساة شعب؟
___________________
* رئيس تحرير الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة