حسن الترابي
لماذا يعترض حزب المؤتمر الشعبي في السودان على مباحثات السلام التي تجري بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية؟ ولماذا يقول إن كل ما ستتمخض عنه هذه المفاوضات منزوع عنه الشرعية؟ وكيف ينظر إلى مستقبل السودان وشكل الحياة السياسية بعد توقيع اتفاقية السلام المزمعة وما سيترتب عليها من استحقاقات؟

هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها الأمين العام للحزب الدكتور حسن الترابي في الحواره التالي:

حوار/ محمد عبد العاطي


توصلت حكومة الخرطوم والحركة الشعبية إلى اتفاقات أو تفاهمات على الكثير من القضايا المهمة مثل حق تقرير المصير والترتيبات الأمنية وتقاسم الثروة النفطية.. فما أوجه اعتراضكم تحديدا على ما تم التوصل إليه حتى الآن وأعلنه الجانبان؟

اسمح لي أن أخالفك، فلا تزال أهم القضايا الكبيرة والمصيرية لم يتم البت فيها بعد، فلا تزال مشكلة العملة والمصرف المركزي هل هي واحد أم اثنان والعاصمة القومية والسلطة كل هذا لم يتم البت فيه.

هل يعني هذا أنكم تؤجلون إعلان موقفكم إلى أن يستبين الأمر برمته؟

لا، فنحن ومن أول الأمر اتخذنا مواقف منذ الاتفاقية الأولى وهي اتفاقية ماشاكوس التي كانت سرا وكتمت عن الرأي العام ولم تذع ولم تنشر داخل البلاد أصلا وقد عرفنا عنها من الإعلام العالمي، فقد اعترضنا لأنهم كانوا قد حكموا الشريعة في تشريعات الولايات الشمالية فقط، ومعروف أنه ليس للولايات الشمالية هيئة تشريعية مستقلة وإنما التشريع اتحادي، وأوكلوا للجنوب أن يشرع بغير مرجع ديني، وجعلوا الحكم الاتحادي بين من يريد الدين وبين من لا يريده وهو أمر كتموه عن الناس في الاتفاقية الأولى.

وكنا كذلك قد أخذنا عليهم أنهم آثروا الثنائية وعدم مشاركة القوى الأخرى، ويطمحون أن يتركوا للجنوب ولقرنق الاستفتاء على تقرير المصير هناك، وسمحوا لأنفسهم كذلك أن يسحبوا القوات المسلحة من الجنوب وجعلوها تتمركز في الشمال ولا يرضى أحد بذلك.

لهذا فنحن نرى أنه ليس للاتفاقية التي تعد الآن جدوى إذا لم يحطها الشعب كله بإرادته الوطنية ويفوض النواب على ذلك حسب شروطها.


يفهم من كلامك بأن مصير هذه الاتفاقية سيكون الفشل، هل هذا صحيح؟

نعم، هذه الاتفاقية أصبحت عرضة لما تعرضت له الاتفاقيات السابقة سواء على يد النظم العسكرية التي حكمت السودان أو حتى على يد الأنظمة المنتخبة.


بصورة أخرى هل نستطيع القول إن هذه الاتفاقية ومهما تمخضت عنه من تفاهمات وأيا كانت بنودها منزوع عنها الشرعية الشعبية؟

هذا صحيح.


في هذا السياق، يذكر الطرفان المتفاوضان أنهم سوف يدعوان إلى حكومة وحدة وطنية حين الحديث عن بند السلطة، فهل ستشاركون في هذه الحكومة الموحدة إذا دعوكم لهذا الأمر؟

كيف سيرتب المناخ للانتخابات القادمة؟ لا يمكن أن ترتب هذه الانتخابات مادام قادة الحكم المحلي والحكم الولائي والقبائلي يعينون ويسيطر عليهم من طرف قوة ما، والشركات العامة التي انتشرت في البلاد -كأنه بلد اشتراكي- كلها قوة اقتصادية يمكن أن تحرك في بلد فقير إرادة الشعب وتشتري الذمم كما تشاء، ويريدون أن يرتبوا ويصرفوا هذه الدوافع التي تزيف الإرادة حتى يضمنوا حرية وعدالة بين كل المتنافسين، حتى يوكل إلى الشعب بعد ذلك أن يأتي بمن يضع دستوره الثابت وبمن يحكمه من بعد.


قد توحي الصورة العامة لمن يراقب الأوضاع من الخارج بأن الرأي العام السوداني مع الاتفاقية وما يقال بشأنها بأنها ستكون فاتحة خير وبداية لإحلال السلام في السودان.. فكيف ترى أنت الرأي العام السوداني من الداخل؟

لقد أوذي الرأي العام السوداني كثيرا من الجنوب، كان قديما الجيش وحده هو الذي يقاتل وهو الذي يعاني من المصائب التي ينالها لكن الآن الأمر اختلف، فقوات الدفاع الشعبي والمتطوعون لهم رأي، وأسر من استشهد ومن أصيب ومن ذهب وجاء لهم رأي، لهذا فقد انتشر الوعي بأزمة الجنوب على نطاق واسع لدى الرأي العام.

ثم إن الجنوبيين النازحين أنفسهم قدموا إلى الشمال وعددهم بضعة ملايين الآن هم في أطراف المدن مشتتين، ولذلك فالقضية أصبحت الآن مشهودة ومرئية للرأي العام، ولذلك كل الشعب يريد سلاما حتى يعالج هذه المشاهد التي أصبحت في وعيهم، ولهذا لما سمع باتفاقية للسلام فرح لكنه لم يقرأها.

أنا أنظر في داخل الاتفاقية وأنظر في مداها وأرى أنها لن تعالج ظاهرة الاصطدام، لأن غرب السودان الآن اشتعل، إنه يرى أن الحقوق لا تؤخذ إلا سلبا لا تؤخذ طلبا وعدلا، وشرق السودان قد يشتعل غدا، لذلك أصبح كثير من السودانيين الآن يرون أن هذه الاتفاقية يبدو أنها -وإن بشرت لأول وهلة بالسلام- ستنفرج إما على انفصال للجنوب أو اشتعال فانفصال وتمزق للبلاد بهذا النهج، وبدأت الريبة ترتاب الرأي العام هنا في السودان.


تريد أن تقول إن مفهوم السلام الذي ارتسم في مخيلة الرأي العام السوداني في المراحل الأولى تقلص إلى وقف لإطلاق النار وبدأ السودانيون يبنون رأيا واتجاها عاما مختلفا؟

نعم، وإضافة لما قلت فإن الحكومة تراجعت عن وعودها بالحرية والديمقراطية، حتى إن أبسط الحقوق السياسية بدأت في التراجع، فقد وعدت الحكومة برفع الرقابة عن الصحف وبأنها ستراجع نفسها في الحزب الذي كان مجمدا لكنها عادت مرة أخرى وسدت الأبواب على الصحف وأجهزة الإعلام العالمية كالجزيرة مثلا، فوضعت قانون الطوارئ وتريد له التمدد، وعادت تعتقل عشرات من الناس في الخرطوم وفي غرب السودان، فالروح التي اكتنفت تلك الأيام والذكريات الآن غمت على الناس مرة أخرى.


وماذا عن الضمانات الدولية والإقليمية التي يردد المتفائلون بأنها ستكون واحدة من أهم الضمانات المتاحة لاستمرارية السلام القادم؟

هذه الضمانات الإقليمية والدولية مرتبطة بمدى اهتمام هذه الأطراف بالسودان وبمشكلة الجنوب، وقد تتغير هذه الاهتمامات وتنشأ قضايا أخرى في المستقبل تقلل من اهتمام هذه الأطراف بالسودان، وقد ترتب هذه القوى مع طرف ضد طرف آخر، وتشجعه على الانفصال في وقت لا تمتلك الحكومة قوات لها في الجنوب تعيد الأمور إلى نصابها، لهذا كله فلا يعول كثيرا على مسألة الضمانات هذه.
_____________
الجزيرة نت.

عودة للصفحة الرئيسية للملف

المصدر : الجزيرة