عامر الكبيسي-بغداد

لم تكد الحرب الأميركية تضع أوزارها في أبريل/ نيسان الماضي في العراق حتى اكتست جدران بغداد بشعارات تعكس طبيعة الشارع العراقي وتوجهاته الأيديولوجية من خلال هتافات صامتة تراها وأنت تتجول في شوارع العاصمة العراقية والتي قد تختلف من مكان لآخر حسب التوجه العام لهذا الحي أو ذاك.

فالأحياء التي تكون غالبيتها من السنة تكون أدبيات المقاومة هي الأبرز في شعاراتها، بينما يكون ذم الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين الأبرز في المدن التي يغلب الشيعة على سكانها إذ ينعت بالإرهاب والظلم.

الجامع بين هذه الشعارات هو أنها تعبر عن دواخل النفس لدى العراقيين، والتي ما كانت لتظهر باللسان فضلا عن الجدران إبان حكم صدام حسين.

أما ما يفرق بين هذه الشعارات فهو اتجاهاتها العديدة التي تتوزع على القوى والتيارات السياسية والدينية.

فهناك شعارات تدعو أو تلخص موقفا أو فكرة أو تثني على حزب أو جهة دينية أو تصفها بالإرهاب، ولكن البعد الآخر فيها لا يخلو من انفعالات واضحة قد تهدد المنتسبين إلى حزب البعث بالموت والقتل.

يمكنك اليوم في بغداد أن تقول أو تكتب ما تريد على أي جدار دون أن يلتفت إليك أحد، إما لأنك حر أو أن الذي ينظر إليك يخشى كونك تمثل حزبا أو قوة، وبالتالي فالسكوت أنجح للإبقاء على الحياة.

معظم هذه الشعارات ضد قوات الاحتلال في بغداد سواء دعت للمقاومة "صبرا صبرا يا بغداد جيش الكفر سوف يباد" أو لم تدع، حيث أن رفض الاحتلال له قاعدة عريضة من السنة والشيعة في العراق، إلا أن آليات الرفض هذه قد تختلف من جهة لأخرى.

ويصطف صدام حسين في المرتبة الثانية لهذه الشعارات، ولكن هذا الاصطفاف لا يجعله جيدا هنا، فالشعارات التي تصفه بـ"مجرم المقابر الجماعية" أو التي تؤكد أنه "بطل التحرير القومي" تجعل منه حالة نقاش أخرى لا على حكمه فحسب، وإنما على ما آلت إليه الأمور بعد اعتقاله كشعار "بعدك صدام انذلينا" الذي يرثي لحال العراق بعد سقوط نظام الرئيس العراقي السابق.

كما قد تختلف الشعارات لا على الجدار الواحد فحسب بل في الشعار المكتوب، فعند تمثال رئيس العراق الأسبق أحمد حسن البكر الذي تمت إزالته بعد سقوط النظام في العراق كنكاية بحكم البعث كتب أحدهم "سنثأر لك يا صدام"، فجاء غيره ليحول ما كتب إلى "سنثرمك يا صدام"، أي سنقطعك إربا إربا.

ومع هذا يكاد الجميع يتفق على أن بغداد تبكي اليوم من ظلم ألم بها بعد الاحتلال الأميركي معبرين عن سخطهم تارة أو داعين لعودتها كما كانت تارة أخرى، حيث يرجون لها أن تكون معمرة بهية "الله يعمرك يا بغداد".

بعض الشعارات قد محيت معالمها بأياد مجهولة حيث وضعت الأصباغ على أكثر من عشر شعارات على جدار مبنى المخابرات العراقية سابقا في منطقة الحارثية غرب بغداد تطالب معظمها بـ"الجهاد في سبيل الله".

وإذا كانت هذه بداية للحرية أو تنفيسا عن الكبت فإن مشكلة الشعارات هم كما يقول أحد المراقبين "أن كثيرا منها ينفي الآخر، ولا يرضى بوجوده سواء بتهديده أو بوصفه بالعمالة أو الكفر حتى أضحت أداة للتفريق أكثر منها للجمع، وهو آخر ما تحتاجه بغداد في هذه المرحلة الدقيقة من التحول السياسي للبلاد ".
ــــــــــــــــــ
* مراسل الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة