قصف وتعتيم وغضب في سامراء
آخر تحديث: 2003/12/2 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/10/9 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2003/12/2 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/10/9 هـ

قصف وتعتيم وغضب في سامراء

عراقيان ينتحبان إثر المجزرة الأميركية في سامراء (الفرنسية)

* محمد داود- بغداد


"يسقط مجلس حكم الخونة" هكذا خط أحدهم بإصبعه متعجلا على بقايا تراب
تجمع على هيكل باص قصفته القوات الأميركية الليلة الماضية أثناء اشتباكات بين أهالي سامراء وجنود الاحتلال.

تجمع الأهالي بسرعة فور أن رأوا كاميرات التصوير وبدا الغضب على ملامحهم وفي أصواتهم العالية... تكلموا معا محاولين شرح ما جرى. تضاربت التفاصيل أحيانا وتبعثرت الحكاية أحيانا أخرى لكنهم أجمعوا على أن القصف كان عشوائيا، وأن القتلى غالبيتهم من المدنيين.

بين القتلى مسن إيراني حضر لزيارة ضريح الإمام علي الهادي في المدينة، وبينهم رجل كردي قتل بينما كان متجها مع نجله للصلاة في مسجد الإمام الشافعي القريب من مقبرة المدينة ومستشفاها المتداعي.

الروايات الأقوى تشير إلى أن دوريات أميركية تعرضت لهجمات بالقنابل والصواريخ في مواقع متفرقة، فرد الجنود الأميركيون بإطلاق عشوائي للنار وحطمت دباباتهم سيارات المارة، بينما قصفت مروحيات أميركية مسجدا ومستشفى ومقبرة وعددا من المنازل أصر الأهالي على أن نراها ونصورها ليعلم العالم أي ديمقراطية جلبها لهم الرئيس الأميركي جورج بوش.

تفجر الموقف فجأة بوصول مسن يبكي بحرقة وهو يحتضن شابا ملثما هو سائق الباص المحطم "قصفته الطائرات بينما كان يقف خارج بوابة المستشفى"، وكان السائق وهو شيعي من كربلاء قد وصل برفقة سياح إيرانيين حضروا لزيارة ضريح الإمام علي الهادي في المدينة.

ويضيف "كنت أنقل جرحى القصف الأميركي إلى المستشفى وفجأة انهمرت القنابل على المنطقة فدمرت الحافلة وأحرقت ثلاث سيارات كانت تشارك في نقل الجرحى". خلت المدينة من الأميركيين بعد يوم المواجهات الدامي، ولم يكن حتى على الطرق المؤدية إلى سامراء ما يشير إلى وجودهم باستثناء مقر الفرقة الرابعة على مدخل المدينة.

مالك الحافلة يتوعد بالثأر من الجريمة الأميركية (الفرنسية)

المسن العراقي خلع كوفيته التقليدية وبدأ بإطلاق الشتائم والسباب على الرئيس الأميركي جورج بوش، أما الحضور الذين هزهم مشهد رجل يبكي ضياع حافلته فقد هتفوا باللهجة العراقية "كلنا معك". المسن صعد من لهجته حين رفض ارتداء كوفيته مرددا "والله إحنا نسوان (نحن نساء) ما نلبس عٌقل (جمع عقال) بعد" في إشارة إلى طلب الثأر ممن تسببوا في حرق حافلته.

تحول الموقف إلى تظاهرة رددت هتافات من قبيل "بالروح بالدم نفديك ياعراق" و"كل شي راح فدوى (أي فداء) العراق"، لكن المشاعر الجياشة انقلبت فجأة حين شتم المسن المنفعل الرئيس المخلوع صدام حسين، حينها تصدى له رجل من بين الحضور "خل جماعتك يقاومون". وأضاف بغضب بينما أيده آخرون "صدام حسين تاج على راس كل أميركا".

هدأ الموقف تدريجيا ولم يتطور لكن التجمع لم ينفض، حظي الرئيس السابق لمجلس الحكم المحلي وزعيم الحزب الوطني الكردستاني جلال طالباني بكمية وافرة من لعنات الغاضبين في سامراء، لأن "جماعته البشمركة" شاركوا في قتال اليوم السابق حسبما يقول الأهالي، وهم يتهمون طالباني بمحاولة السيطرة على الملف الأمني عبر إقناع الأميركيين بأنه الرجل المناسب لتولي ملف شائك في مرحلة شائكة.

الحضور الضعيف للصحافة يثير التساؤلات حول دورها في بلد يقف بقلق وخوف على مفترقات طرق، الصحفيون في العراق باتوا عرضة لغضب الأهالي وضغوط الأميركيين.

تساءلوا كثيرا بعتب حينا وبغضب أحيانا "لماذا لا تنقلون أخبارنا؟"، وأكدوا أن "هجمات يومية تقع في المدينة"، وأن قتلى الأميركيين بالمئات.

"أنتم جبناء تخافون الأميركان" هذا كان آخر استنتاجاتهم، بينما هدد رجل غاضب بين الحشد بتفجير سيارات الجزيرة إن حضرت للمدينة مرة أخرى، لم يوافقه الباقون لكن الموقف ظل معاديا ومتشككا من "الجبناء" الذين يرون ولا ينقلون ما يرون ليعلم العالم حجم معاناة العراقيين.

من المفارقات أن أهالي المدينة يؤكدون مقتل ثمانية وإصابة 55 آخرين في معارك يوم الأحد وهم يقولون إن عددا من الجنود الأميركيين قتلوا، تبرع أحدهم أن يعرض علينا معدات سيارة عسكرية أميركية دمرت أثناء المواجهات.

رواية المتحدث العسكري الأميركي تقول إن 46 عراقيا قتل وأصيب 18 واعتقل 8 أثناء مواجهات بين العسكريين الأميركيين ومقاومين عراقيين، حسب تلك الرواية فإن خمسة أميركيين فقط أصيبوا بجروح.

الحشد الغاضب تحدث عن عمليات نهب للذهب والأموال أثناء مداهمات الأميركيين وعن اعتقالات في صفوف المتدينين في المدينة، من بين المعتقلين عدد من الأطباء يقول مقدم سابق في الشرطة العراقية إن بيوتهم دهمت بشكل متعمد وكذلك أئمة مساجد وخطباء ورواد مساجد.

هتافات التأييد للمقاومين "مهما كانت هويتهم" وللرئيس العراقي المخلوع كانت عنصر إجماع وسط حشود خلطوا قيم العشيرة بالإسلام بالثورة على المحتل بفداء تراب الوطن.

سامراء غاضبة لكنها تبدو وقد حسمت خياراتها، خلافا لبغداد التي لم تفعل بعد. لن تقرأ سامراء ما يكتب عنها وقد لا تشاهد صور أبنائها الغاضبين على شاشات التلفزيون أو شبكات الإنترنت لأن محرريها نسوا أن يمنحوها رفاهية الاستمتاع بالكهرباء وقطعوا عنها المياه قبل أن ينقضوا عليها أو تنقض عليهم.

----------------------
*
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة