القوات الأميركية تبحث عن الأمن المفقود في بغداد (الفرنسية)

* محمد داود-بغداد

لم يلتفت الجالسون في مقر الحزب الإسلامي الكردي باهتمام لدوي انفجار ودخان تصاعد من جزيرة الأعراس في بغداد حيث تتحصن قوات أميركية على شاطئ نهر دجلة.

يقول عراقيون إن هجوما شنه مقاومون مستخدمين صاروخا يطلق عليه اسم "خطاب/1" ربما كان سبب الانفجار، وإنه ربما أطلق من الجهة المقابلة للنهر. تأمل الحضور الدخان المتصاعد من فوق قمم الأشجار بصمت ثم عادوا إلى حديثهم عن انقسامات الإسلاميين الأكراد واختلافاتهم الفكرية.

وبشكل عام ينشغل الساسة الجدد في بغداد بالحديث عن المستقبل والعلاقة مع الأميركيين، وتقييم المحتلين على أساس سلوكهم أو وعودهم أو التخمينات المتضاربة حول نواياهم المبيتة للتعامل مع العراق.

كما يهتم الساسة -ومعظمهم ممن عادوا من الخارج بعد سقوط الرئيس العراقي صدام حسين ونظام البعث- بالبحث في طبيعة المرحلة الجديدة، ويطغى على مجالسهم الحديث عن العلاقات بين فسيفساء القوى الناشئة فوق السطح والخوف من المستقبل أو تفجر الأوضاع على محور الطائفة والمذهب على ما سواه من الهموم لكن للشارع هما آخر.

جميع أطياف الحياة السياسية بالعراق في اجتماع دعت إليه القوات الأميركية في أبريل/نيسان الماضي (رويترز)
حيرة بعد يقين
بغداد تبدو حائرة بعد طول يقين. فبعد أن ظلت سنين طويلة لا ترى غير وجهها العروبي القومي ولا تسمع إلا صوت البعث غدت العاصمة العراقية اليوم مرتعا لأفكار تدور حول المذهب والفكرة وحول العرق أيضا.

بغداد اليوم منقسمة بصمت وتصميم بين أحزاب إسلامية وأخرى علمانية، وهذا أول محاور الانقسام بين الإسلاميين سنة وشيعة، وبين السنة عربا وكردا، أما بين العلمانيين فهناك أيضا سنة وشيعة، وإن قبع بين المجموعتين ليبراليون يحاولون جمع الفريقين داخل أطر فضفاضة.

كثرة القادة وتنوعهم يمنح بغداد -التي اعتادت على الحياة طويلا بوجه واحد- تنوعا مثيرا لكنه لا يمنحها هوية محددة، فالصراع على الهوية محتدم رغم كل عبارات التطمين والرغبة بتغليب منطق المواطنة على مناطق الانقسام.

شوارع بغداد أيضا تبدو مضطربة. حركة مرور نشطة وازدحام يحكي غياب النظام عن بلد اعتاد العيش في ظل نظام صارم أكثر من اللازم ربما، وحركة تجارية مرتبكة تحاول التعويض عن سنوات من الحرمان بسبب الحصار.

كسر قواعد المرور يعكس الغياب شبه التام للسلطة ومع غيابها هذا غاب الأمن رغم أن بغداد محصنة عسكريا، لكن لا حسيب ولا رقيب ما دام الموضوع لا يتعلق بأمن المحتل أو ساسة بغداد الجدد.

جندي أميركي ينظم حركة السير بأحد شوارع بغداد (رويترز)
هواجس أمنية
الأميركيون منشغلون بحماية مقارهم. السواتر الإسمنتية والأسلاك الشائكة وعربات مدرعة وأبراج الحراسة تنتشر حول كل موقع يقيم فيه الأميركيون والعاملون في سلطة التحالف أو معها. والأحزاب منشغلة بحماية مقارها ورموزها أيضا.

تصوير قصر سابق لقصي صدام حسين تحول إلى مقر لإحدى المليشيات كان سببا كافيا لإثارة توتر حارس مسلح لا يحمل أي شارة رسمية، صوب سلاحه نحونا وطلب بغضب أن نغادر.

الكل متوتر حتى سادة بغداد الجدد. كل بيت سابق لمسؤول سابق تحول إلى مقر لحزب جديد أو شخصية حزبية جديدة. وحول المقار الجديدة تنتصب كتل إسمنتية وأسلاك شائكة ومسلحون تبدو عليهم أمارات النشوة بالسلطة الجديدة.

بعيدا عن الأحياء التي تشهد على انتقال السلطة يعيش البغداديون دون حماية رغم تشديدات أمنية لا تنشغل بهم إلا من زاوية تأمين القادة الجدد والمحتلين. بعض التجار والمستثمرين ورجال الأعمال عمدوا هم أيضا إلى وضع أسلاك شائكة حول بيوتهم وشركاتهم وبنوكهم، وترك الباقون في العراء دون مظلة أمن تحميهم.

الشرطة مشغولة بتأمين مقارها التي تعرضت لهجمات مؤخرا، أو إقامة حواجز ليلية بحثا عن مدبري الهجمات أو بتنظيم محدود لحركة السير.

عند أحد المفترقات توقف السير كليا حين تداخلت السيارات من كل الاتجاهات ولم تعد أي منها قادرة على المضي في طريقها. ظل الوضع عالقا حتى ترجل مواطن من سيارته وتولى مهمة تنظيم السير والطلب برجاء من سائقي السيارات العالقة العودة قليلا أو الانتظار ريثما يعبر آخرون ويفتح الطريق. لم يكن هناك شرطة ولا مسلحو الأحزاب.
________________
* الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة