حوار/ سعيد إحميدي والفضيل بن السعيد

رفض الكشف عن تفاصيل المبادرة وقال إنها في طور الاستشارة، لكنه تحدث عن أسسها وأن منطلقها هو بيان ثورة نوفمبر/ تشرين الأول 1954. كما أسهب في الكلام عن خلفيات الأزمة في الجزائر والتي يرى أنها بدأت منذ استقلال البلاد عام 1962، مؤكدا أنها نتائج حتمية لمقدمات منحرفة تأتي المبادرة لطرح ضرورة تغييرها حتى تؤدي إلى نتائج جديدة يرضاها الجميع.

وفيما يلي تفاصيل الحوار الذي أجرته الجزيرة نت مع زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة في الجزائر الدكتور عباسي مدني:

بداية لو تحدثوننا عن مبادرتكم الأخيرة لإنهاء الأزمة في الجزائر.

ما تعيشه الأمة هو في الحقيقة نتيجة لمقدمات سبقت، وإذا أردنا تغيير النتيجة وهو ما يعرف في اصطلاح علم الاجتماع بالتغير وعند علماء المسلمين بالإصلاح.. عندما تطمح الأمة إلى النهضة لا تستطيع أن تحقق شيئا من ذلك ما لم تعد إلى هذه المقدمات وتغير معطياتها.. ولا تستطيع أن تغيرها كما هي في الماضي في وجود تم تحقيقه وتم وقوعه، فالماضي لا يغير وإنما هو معطى نأخذه في الاعتبار كآفاق موضوعية واقعية، بناء عليه نوظفها في المستقبل الذي هو مجال التغيير، وهو مجال جهد عبقرية الأمة من أجل أن تحقق ما لم تحققه من قبل لتضع مقدمات أخرى وبالتالي تكون النتائج نتائج أخرى.. وهذه القاعدة لا يمكن أن تشذ عنها أحداث الجزائر.

أحداث الجزائر تعود إلى جذور الاستعمار الفرنسي الذي عانت منه البلاد 132 عاما.. الاستعمار الفرنسي في الجزائر يختلف عنه في المغرب أو تونس أو في غرب ليبيا، هو أراد أن يأخذ سياسة مختلفة تماما بحيث كانت فرنسا تريد أن تجعل الجزائر بلدا فرنسيا، ولتحقيق ذلك لابد من القضاء على عاملين أساسيين في وجود الأمة وهما الإسلام واللغة العربية. وهذان العاملان عند الأنثروبولوجيين الفرنسيين عامل وجود وبقاء، ولا يمكن أن يجتمع وجودان متغايران في الأسس والجوهر الوجودي ذاته ما لم ينسخ أحدهما الآخر.


أحداث الجزائر تعود إلى جذور الاستعمار الفرنسي الذي سعى لجعل الجزائر فرنسية عبر القضاء على عاملين أساسيين في وجودها هما: الإسلام واللغة العربية
هذه هي القاعدة الفلسفية للمخطط الاستعماري في الجزائر، وهذا هو عمق المعركة التي قادها الشعب ضد فرنسا. ولابد أن نشير إلى حقيقة تمثلت في هذا الحدث الكبير وهو الاستعمار الفرنسي، وهي أنه لولا الإسلام والعربية لماع المجتمع الجزائري في محيط ثقافي قاهر ضاغط بجميع إمكانياته الثقافية بما في ذلك السياسة التربوية الاستعمارية الفرنسية التي طبقت أثناء الاحتلال الفرنسي كله. والحمد لله أنه من خصائص الإسلام أن يقوى بقوة تحدي خصومه وأعدائه، فترى أن الشعب الجزائري ازداد تمسكا بالإسلام وهو ما قد لا تجده في غير الجزائر مع وجود قواسم مشتركة بين الشعب الجزائري والشعوب المجاورة الشقيقة.

إذن كفاح الشعب كان يهدف إلى استرجاع هذه السيادة وهذه الأبعاد الوجودية، ومن أجل ذلك خاض معارك عديدة منذ أن وطئت أقدام الجيش الفرنسي شاطئ سيدي فرج عام 1830 إلى أن انتهى الأمر باندلاع ثورة نوفمبر/ تشرين الثاني 1954 التي انتهت بنصر حقق فيه الشعب كل ما سلبه الاستعمار.. استقلال تام وحرية تامة وسيادة على كافة التراب الجزائري دون شرط أو قيد، وذلك في اتفاقيات إيفيان التي اعترفت فيها فرنسا بحق الشعب الجزائري في استرداد حريته واستقلاله وسيادته في 19 مارس/ نيسان 1962.

في أول نوفمبر/ تشرين الثاني وبالموازاة مع العمل المسلح نشر إخواننا في العمل السياسي بيانا رسميا سمي "بيان أول نوفمبر" يوضح سبب اندلاع الثورة وغاياتها، وهي انبثاق دولة جزائرية حرة مستقلة ذات سيادة تكفل الحريات الديمقراطية الأساسية في إطار المبادئ الإسلامية. هذه العبارة لخصت أهم مواصفات الدولة الجزائرية التي هي نتيجة حتمية مشروعة لجهاد طويل.

هل يعني هذا أن مبادئ بيان أول نوفمبر هي أسس مبادرتكم؟

سآتي إلى هذه النقطة. هذا النموذج لم يتحقق، فقد سربت ورقة في آخر اجتماع لمجلس الثورة في ليبيا جاءت بها جماعة اتحادية جبهة التحرير الوطني في فرنسا. هذه الورقة لينينية شيوعية محضة، فبدلا من الاعتماد على بيان أول نوفمبر تم وضع نظام سياسي حدّد مواصفاته الاستعمارُ نفسه، وهذه بداية المقدمات المستجدة التي حلت محل الأصل المتفق عليه الذي هو بيان الثورة، وهذا النظام أسس لقمع الشعب وحريته ولوضع نظام استبدادي عسكري محض لا هم له إلا عقاب الشعب الجزائري على مقاومته الاستعمار وإصراره على الاستقلال عن فرنسا. وهذه هي العملية التي حدثت لاغتصاب الاستقلال.. وسارت الأمور في هذا المجرى إلى أن وصلنا إلى تسليم الجزائر إلى الاستعمار من جديد.

وهكذا ها هو الشعب يعاني ما عاناه إبان الاستعمار ولكن بعد الاستقلال.. ترى ماذا يكون موقف شخص عاش اندلاع الثورة وآمن بمبادئها، ثم عاش ليرى ما عليه الشعب الآن.. أفقر شعب في أغنى دولة في المنطقة، شعب ضحى بالملايين من أجل سيادته وتغتصب سيادته. ومثال ذلك أن صاحب القرار السياسي في الجزائر لا تكاد تجد له أثرا على الإطلاق.. من الذي يتصرف في جميع أمور الحياة؟! مجهول.. وإذا كان مجهولا فمعنى ذلك أنه غير شرعي. والقرار السياسي يتصرف فيه عن طريق وصيّ فعلي ذي طابع ديمقراطي شعبي، فاسم الدولة الآن هو الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، أين إرادة الجمهور فيها؟ وأين إرادة الديمقراطية وروحها الحرية؟ ولم توجد في العالم وعبر التاريخ ديمقراطية فاقدة للحرية بل وتقمع الحرية.. إذن هذه هي شعارات تخفي وراءها جلادي الشعب الجزائري.

وهكذا انتهى الأمر بالجزائر إلى أزمة متفاقمة منذ عام 1962 إلى اليوم.. أزمة سياسية في عمقها لا تزال تتراكم أبعادها وتتعقد مشكلاتها وتتفاعل لتسير بالجزائر نحو الهلاك اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.

فهل المطلوب إذن ثورة نوفمبر أخرى ولكن بصيغة مختلفة؟


الدولة التي رسم معالمها بيان ثورة نوفمبر تم استبدالها بأخرى من صنع الاستعمار، وعليها تأسس في البلاد نظام استبدادي عسكري همه عقاب الشعب الجزائري على مقاومته وإصراره على الاستقلال عن فرنسا
مهلا.. لابد أولا من تحديد الإشكالية لأنه شرط علمي ييسر لنا اتخاذ الحل.. لأن الحل يأخذ بالاعتبار هذه المعطيات الواقعية ليحولها إلى نقيضها.. لقد رأيت بأم عيني العجائز مع أطفالهن وهن ينبشن في ركام الفضلات بحثا عن طعام يأكلنه.

نعود إلى البعد السياسي.. الحل السياسي مغلق بابه إغلاقا تاما، وما يحدث هو من باب تسيير الأزمة، ولتحقيق ذلك لابد من قهر، إذ لا يمكن لشعب ذي تجربة تاريخية كهذه التي ذكرت أن يرضى بهذا الوضع إلا بقوة ظالم قاهر، وبهذا نفهم ما حدث طيلة العشرية الدموية.

إذن حتى لا يستطيع الشعب أن يتحرك لابد من أرمادة إعلامية مضللة أداتها لغة الخشب للتضليل.. اللغة التي تجعل الضحية هو المسؤول عن جريمة الجلاد. وباسم الحركة الإسلامية المسلحة يتم القضاء على رموز الحركة.

هناك من يقول إن الكثير من الجماعات المسلحة خرجت من عباءة جبهة الإنقاذ خاصة أن الجبهة في البداية لم تتبرأ من العمل المسلح؟

صاحب هذا القول يلوم الجبهة على أنها لم تتبرأ من فعل جلاديها وجلادي الأمة.. بالله عليك أترى أن المطلوب من أسرة القتيل والمهدد بالتقتيل هو التنديد أم حفظ وجودها والدفاع عن بقائها.. هؤلاء يريدون تضليل الرأي العام لا غير.

وعندما نتكلم عن الجيش الإسلامي للإنقاذ فهذا يمثل مجموعة فرت إلى الجبال لأن القمع والخطر وقع على كل كوادر الجبهة ومناضليها وحتى مناصريها ومنتخبيها، وسمعتم ما حدث في الريس وبراقي وبني مسوس والشلف وغيرها.. كل تلك المناطق كانت لأنصار الجبهة. فعندما يهدد المرء في حياته من حقه أن يحمل السلاح دفاعا عن نفسه.. هؤلاء حملوا السلاح ولجؤوا إلى الجبال وبقوا إلى حين، ثم نزلوا دون أي مشروع سياسي.

ربما يكون الجيش الإسلامي للإنقاذ يشكل استثناء.. لكن الجماعات المسلحة الأخرى كانت تستمد شرعيتها من خطاب الجبهة.

لا.. الحركات الإسلامية المسلحة حركات النظام.. جنود كانت مهمتهم الاختراق والانتشار على آفاق الجبال والمناطق الوعرة حتى لا يكون فيها الجيش الإسلامي للإنقاذ تنفيذا لما يؤمرون به. فهل يعقل أن مسلما عاقلا يذبح أطفالا صغارا ويقضي على أسرة بأكملها ويغزو قرية بأسرها.. هل هذا موقف سياسي؟!

أما كان الأولى التبرؤ من مثل هذه الأعمال حتى تتضح الصورة وتتباين الصفوف؟

عباسي مدني: واثق من حكم التاريخ العادل على أحداث العشرية الدموية
كيف يتبرأ؟!.. هذا الأمر نحيله إلى التاريخ الذي نثق فيه وسيفاجئ العالم بحقائق مذهلة. المهم نحن الآن في وضعية مفادها أن النظام فقد مبررات بقائه لأنه أفسد وقتّل وجمع بين الآفتين: تبذير الثروة وإفساد المجتمع بما أحدث من فتنة فيما بين الإخوة والأصهار والقبائل والعشائر.. يريدون تمزيق المجتمع.

إن ما تعرض له المجتمع الجزائري في هذه العشرية لم نشهده في عهد فرنسا.. صحيح أنه كان هناك تقتيل جماعي أثناء الاستعمار، لكن في ذلك الوقت كان القاتل يضع قبعة فرنسية. أما ما يحدث الآن فيتم باسم الإسلام ليضرب الإسلام مرتين: يقتل مسلمه ويلحقه عار قتله.

المهم المبادرة يمكن تلخيصها في هذين البعدين:

  • أن الإفساد في المجتمع وصل مدى من الخطورة لم تشهده حقبة من تاريخ الشعب الجزائري.
  • التقتيل والتشريد.. عائلات شردت في العالم، وعلماء ذوو اختصاصات عالية لجؤوا إلى أميركا وفرنسا وأوروبا وآسيا.. عندما تذهب إلى الجامعة اليوم تجدها جامعة المساعدين لا تكاد تجد فيها أستاذا يتمتع بالشروط الأكاديمية التربوية التي تجعله أستاذا في الميدان العلمي، وإذا خلت الجامعة من العلماء كيف لها أن تكون أجيال العلماء.

أعمال العنف في الجزائر حصدت ما بين 100 ألف إلى 150 ألف شخص
والقرآن الكريم جعل قتل نفس واحدة والإفساد في الأرض قتلا لجميع الأمة، فقال: "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا". وإذا عرضنا هذه القضية على علم التاريخ فلن يجد صعوبة في الحكم بأن من قام بهذا الإفساد خلال 40 عاما أكبر من أن يكون فردا، ومن قتل هذا التقتيل أكبر من أن يكون فردا أو جماعة محدودة.. إنه النظام الذي جمع بين صنفي الجريمة التاريخية: التقتيل والإفساد في الأرض. وإذا كان هذا هو الحال هل يتوقع من هذا النظام بكل مكوناته وشبكة علاقاته ونسيجه السياسي وحتى الاجتماعي العسكري والمدني.. أن يتغير في ذاته؟!

هل يصب هذا الطرح في ما وصفه البعض بأنه طرح المغالبة في مقابل طرح المشاركة؟

نحن بعيدون عن هذا، نحن في وضع كارثي لم نشهده في عهد الاستعمار، ولن تجد جزائريا عاقلا مطلعا نزيها يظن أن النظام يمكن أن يحدث منه خير وبالتالي لابد من تغييره.

إذن ما هي وسائل التغيير في نظركم؟

نحن مازلنا في المقدمات.. لأن المبادرة هي تعامل مع معطيات المقدمة من أجل تغييرها بمقدمة أخرى مستقبلية لتنتج الحل. والتغيير عملية كلية كما أن الإفساد والتقتيل أيضا عملية كلية، وإذا كانت الإشكالية كلية فلا تفيد فيها الحلول الجزئية، ولذلك ترى النظام يقبل بكل الحلول الجزئية ويريد أن يتقمصها في انتخابات رئاسية وولائية ليمعن بالبلاد في المزيد من التأزم.

وإذا كانت الآية الكريمة شخصت أبعاد المشكلة فقد شخصت لنا أيضا أبعاد الحل، "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا".. الإجرام كلي والإشكال كلي، فما هو الحل؟ أهو التنديد كما ذكرتم.. نسبّ الظالم ونسب الظلام.. لن يغير هذا شيئا، لكن إذا جئت بشمعة فقد تبدد الظلام، وإذا جئت بإمكانات الإشعاع الكلي الذي يغمر كل ساحة فقد اكتسحت الظلام.. الحل هو تغيير معطيات الواقع الأليم، قال تعالى "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا".

إذن ينبغي تحديد إستراتيجية العملية التغييرية التي تهدف إليها هذه المبادرة وهي إستراتيجية الحياة.. نواجه عمليات التقتيل بالسلم العادل التلقائي، فمعادلة الأزمة هي معادلة القتل والإفساد الكلي في حين أن معادلة المبادرة هي معادلة الإحياء.

كيف يبدأ الإحياء؟ بتغيير المعطيات بحيث تكون النتيجة المطلوبة هي السلم القائم على الأمن التلقائي الضامن للحياة الفردية والاجتماعية والحرية بحيث يشعر الكائن الحي أنه آمن على ذاته ودينه وشرفه ومكتسباته.

وكلمة عمر بن الخطاب الشهيرة "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" قيلت في مظلمة قيمتها ليست في ذاتها أي في ضرب ابن عمرو بن العاص للفتى القبطي، وإنما في كونها جاءت من مسؤول كان أولى به أن يصون كرامة الإنسان وحقه في أن يكون آمنا على نفسه وعلى كل شروط وجوده المادية والمعنوية. هذا هو السمو الذي ينشئ مناخا من الاطمئنان والثقة والمحبة والتعاون والتكافل، وفي هذا المناخ انبثقت الحضارة التي جاءت بعد ذلك.

نحن حيال نقلة نوعية نعمل على تحقيقها في الجزائر.. نقلة من الخوف إلى الأمن، ومن الإفساد إلى الإصلاح، ومن اليأس والبؤس والإحباط إلى الثقة بالنفس وبالآخر.. لا يوجد الآن مثقال ذرة من ثقة الشعب الجزائري في هذا النظام. بل هناك من داخل هذا النظام أفراد يريدون تغييره ولكنهم كالحطام الذي تحمله الأودية لا سلطان له ولا قرار في وادي الإفساد والإجرام والكارثة.

المبادرة تنطلق من السلم الحقيقي والأمن الحقيقي القائمين على قرار الشرعية، وما يحدث الآن ليس من الشرعية بحال من الأحوال، لا الشرعية الدستورية ولا الشرعية القانونية، لأن القانون ينبغي أن يكون مؤسسا ليكون ذا سيادة، أي ينبغي أن يقوم على تراض حصل من المجتمع عن طريق الانتخاب. وللأسف الانتخابات اليوم لعبة تقسم فيها الأسهم والكوتات بحسب مكانة الحزب.

إذن لا ترون أن يكون التغيير من داخل النظام وبصورة مرحلية ضمن رؤية إستراتيجية كلية.

حدثتك عن حطام تجره موجات تدفق النهر.. لقد انضوى الكثيرون في النظام وذهبوا وفسدوا.. إذا كان عندي كوب عسل وضعت فيه ملعقة من السم فهل تطمئن لشرب العسل، القضية قضية جوهر.. ما لم يتغير الجوهر لا يمكن أن يتغير العرض.

لكن لابد من آليات ولابد من فترة زمنية.

الآليات هي مهام هذه المبادرة فهي تحدد الإشكالية ثم تضع أمامها الحل، وتضع للحل إجراءات منهجية دقيقة وتقدمها للشعب، فهو المعني بالمبادرة، لذلك لم تقدم باسم حزب أو اتجاه ولا باسم النظام، وحتى حين قدمنا وثيقة المبادرة للمؤسسة العسكرية قدمناها باعتبارها مؤسسة ذات أشخاص وباعتبارها مؤسسة معنية كسائر أطراف المحيط، حتى إذا أرادت -لا قدر الله- ونحن نربأ بهم أن يقعوا في هذا المطب أنهم يريدون أن يجعلوها مبادرتهم، فلا نقبل أن تكون مبادرة عسكر أو مجموعة أو كتلة أو لوبي.. هي مبادرة الشعب الجزائري.

وكل طرف أبدى استعدادا للمساهمة في الحل تقدم له ويعتبر جنديا من جنودها.. مبادرة يجند لها الشعب بأكمله ولا يحق لنا أبدا لا أخلاقيا ولا سياسيا ولا عمليا أن نقصي طرفا إلا من أقصى نفسه بحيث يحمل جرثومة النقيض.

معنى هذا أنكم تنطلقون من أن المبادرة لا يمكن أن يحصل حولها خلاف في بنودها وإجراءاتها؟

هي تعمل على أن تجمع ما أمكن من العناصر السليمة في المجتمع، وتسعى إلى أن تكون عادلة أمام الجميع، فلا يجوز إقصاء أي طرف، وكل جزائري صالح مستعد للعمل هو مكسب للشعب الجزائري وخاصة في هذا الظرف.

نحن بحاجة إلى تجنيد كل الشعب الجزائري وطاقاته كي يخرج من النفق المظلم.. إذا كانت الأحداث تشكل عائقا أمام هذا الهدف السامي النبيل فقلنا نطوي الصفحة ولا نقطعها، لأن ما يهمنا الآن هو أن نجدد المقدمات لتتجدد النتائج.

هي إذن ثورة نوفمبر جديدة بصيغة سلمية.

نعم هي كذلك وروحها بيان أول نوفمبر، ولا ننكر ذلك أبدا وإنما نقولها عن قناعة، فهذا البيان فيه روح الانبثاق لنهضة جديدة.

ماذا عن تفاصيل المبادرة؟

المبادرة سرية حتى الآن لأنها ما زالت في طور الاستشارة ولأن من حق الذين لم تصلهم بعد أن يكون لرأيهم معنى الوزن والمساهمة.. فإذا ادعيت أن الأمور قد بلغت نهايتها فإنك تكون قد أحدثت خللا في المنهج، لأن روح المبادرة هي الشرعية وبدونها لا يمكن أن تحصل على شيء شرعي لأن ما بني على باطل فهو باطل.

في ضوء ما ذكرتم ألا يشكل الإعلان عنها تناقضا مع سريتها؟

لا أبدا.. لأن الإعلان كان عن أمور كلية.

ولكنه تم من طرف واحد وليس من كل الأطراف أعني من طرف جبهة الإنقاذ فقط.

لا دخل لإخواني في الجبهة الإسلامية للإنقاذ بهذه المبادرة، إلا أني أثني عليهم لأنهم تساموا عن العقدة الحزبية، فالنسخة الأولية للمبادرة التي وصلت إلى المؤسسة العسكرية لم تصل بعد إلى علي بن حاج.

هل يعني هذا أنكم أنتم فقط وراءها؟

لا.. لا.. وراءها رجال وهي عمل جماعي.. ثورة نوفمبر كانت من خصائصها أنها قامت على المسؤولية المشتركة بعيدا عن نزعة الزعامة والفردية، وما حصل بعد الاستقلال فهو نقيض المنهج.

أليس هناك مخاوف من أن تنقلب الأمور عند تطبيق المبادرة كما حدث بعد الاستقلال؟


الحركات الإسلامية المسلحة حركات النظام كانت مهمتها الاختراق والانتشار في الجبال والمناطق الوعرة حتى لا يكون لجيش الإنقاذ نفوذ فيها
عندما يولد لك مولود فليس المطلوب منك أن تضمن له جميع الشروط بما فيها شروط المحيط لئلا ينحرف، وإنما المهم أن ترعى الأسس وهي أسس مشروعة وسلمية وقوية وتثبت أمام الزلازل. أنت تهندس للمستقبل في عالم مفتوح على كل الاحتمالات.. في أرجائه تطور تقني تكنولوجي ولكن في طياته أزمات.. العالم المقبل مليء بعناصر التأزم وفي ظل هذا تبني بناءك ليبقى وتضع في الاعتبار كل الشروط الكونية الكلية والطبيعية المحلية لتضع خطة وتفاصيل البناء ومواده.

هل سيكون هناك إذن تمرد سلمي على النظام؟

تمرد؟! نحن خرجنا في مسيرات مشروعة دستوريا ووصلنا إلى اتفاق مع رئيس الحكومة آنذاك سيد أحمد غزالي الذي اجتمع في المقابل مع الآخرين ليعدوا أتونا لما نحن فيه الآن.. اتفقنا معه على وقف المسيرات ونادينا بوقفها ووقفت في انتظار الوفاء بما جاء في وثيقة العهد، لكنه تآمر على الأمة وأعد لها ما نحن فيه.

إذا سمينا تلك المسيرات والاعتصامات تمردا، فماذا نسمي الإجرام الذي وقع طيلة هذه السنوات.. أقل ما يقال إنهم حاكمونا حسب خطتهم التي كانوا يعملون على تطبيقها وقد فعلوا.

إذا الشعب الجزائري أراد الحياة وأن يضع حدا لهذه المأساة، فهل هذا تمرد؟ أليس المتمرد هو السلطة التي ضربت بالشرعية عرض الحائط منذ عام 1962؟

الفعل السياسي هو مناط المسؤولية.. ولا تجد سياسيا محترما في التاريخ يفعل نقيض ما يقول ويخون العهود والمواثيق مع الناس والآخرين، لماذا؟ لأن السياسة تقوم على أرضية الشرعية والثقة. كيف يمكن أن تحصل الثقة إذا المرء معتمدا فقط على قانون القوة، وقانون القوة وحده لا يبالي -حسب مكيافيلي- إلا بهدفه فالغاية عنده تبرر الوسيلة.

إذا كان هذا هو واقعنا.. نظام القوة هو السائد، كيف تتوقعون نجاحا لمبادرتكم؟

كثيرون أولئك الذين ينجذبون إلى قانون القوة وليس إلى قوة القانون ويزهدون في الشرعية.. في هذه الحالة يتحول الواحد منهم –وهو المظلوم بالأساس- إلى ظالم فيجتمع عليه ظلمان: ظلم الظالم وظلمه لنفسه.. فتخلى عن حقه وصار يطلب حقه بظلم الآخر.. ومنهج ميكيافيلي ليس ثابتا، لأنه لو كان كذلك لبقي قانون القوة هو القانون الأبدي وأن من اعتصم به استغنى عن الاعتصام بالحق، ولو كان الأمر كذلك لما تحررت أوطان بعد الاستعمار ولبقي الظالم مستبدا إلى الأبد.

الظلم لن يدوم أبدا.. تكون له صولة تم تدور عليه دائرة الحق، لأن المولى سبحانه وضع سنة للوجود بناء على هذه القاعدة وهي ملخصة في قوله تعالى "ويحق الله الحق بكلماته"، لا يحقه بجبروته وقوته المطلقة.

نحن نرى في المبادرة أنها تقوم على الشرعية التي لا يمكن أن نزهد فيها، ويتحرك الشعب الجزائري في هذا الإطار بالسلم ولا يستجيب لاستفزازات النقيض.. نعم، الآخر سيفجر الأوضاع تفجيرا لا قبل للشعب به كالذي حدث بعد اتفاقيات إيفيان مع الاستعمار الفرنسي.. لنا تجربة في هذا.

سننادي عما قريب بوقف نزيف الدم -وهذه هي الفقرة العملية الإجرائية التي نحن على وشك الوصول إليها- وأن يتجند الشعب للسلم كما تجند الآخرون للحرب، وسيكون جهد السلم ليس بسيطا كما سيكون موقف السلم موقفا تاريخيا، لأن أحمق الناس باستطاعته أن يشعل حربا.. لكن من يستطيع أن يطفئ نارها.. ليس الأحمق وإنما الحكيم.

علي بن حاج
ولكن كيف سيكون هذا النداء؟

لا نستطيع أن نستبق الأحداث ونقع في الارتجال، فبعدما تعود ورقة المبادرة ويحصل تكامل وتعاون يضيء السبيل ويقدم أرضية على مستوى عبقري ممتاز وفي مستوى الحدث وثقة الشعب وتحقيق منطلقات النقلة النوعية. لأن العبرة ليست في البيان وإنما في الإجراء الذي يسبق البيان أو يتلوه.. هذه الشروط المنهجية صارمة ومن يستهين بها سيسبب كوارث في المستقيل.. والتاريخ يخبرنا أنه كلما قلت الأخطاء كلما قلت المخاطر في المستقبل. همنا هم الأجيال القادمة ولا نريد أن نورث أحفادنا آفات واقعنا كالتخلف وغيره.

ما الضمانات من أن الشعب لن يستجيب لهذه الاستفزازات التي تتوقعونها، خاصة في ظل ما يعرف عن الجزائري من حماسة شديدة وفي ضوء ما حدث من ثارات أثناء العشرية الحمراء وحتى أثناء الثورة الجزائرية؟

يشيع عن الشعب الجزائري أنه عنيف، واختلاف الأمزجة أمر معلوم إذ لا نستطيع أن نقارن بين المزاج الجزائري والمزاج الماليزي الهادئ هدوء الرواسي.. الشعب الجزائري عندما يستفز يستجيب استجابة الأسد، ولكن طبيعته لها حالتان: حالة الحكمة والبرودة الفاعلة، وحالة التوازن.

ولتوضيح ذلك نقول: ما حدث في العشرية السابقة يستفز الجبال، ولكن الشعب وقف موقف الرفض من النظام، كلما سعى النظام مسعى إلا ووجد نفسه معزولا تماما، وهذا كان مع الاستعمار.. لما قضي على جيش الأمير عبد القادر وانتهى سبيل المقاومة العسكرية، دخل الشعب في نطاق الرفض.. رفض كل ما يقدمه الاستعمار من مشاريع، وكانت فعالية الرفض أقوى من فعالية المقاومة. وكل ما فعله الاستعمار لم يؤثر في جوهر الشعب الجزائري شيئا، بل ما زاده إلا تمسكا بالإسلام والعربية وبحقه في الوجود.. ولولا هذا ما قامت الثورة وما نجحت.. وهو الأمر نفسه اليوم.. من قال إن الشعب راض عن النظام بما فعل فهو مخطئ أو مضلِّل.

لكنه أيضا قد لا يكون راضيا عن العمل المسلح؟

إذا كان المقصود بالعمل المسلح هو قتل الأمة والشعب أو حتى فرد واحد.. نعم لن يرضى. أترضى أن يقتل ولدك أو حتى ولد عدوك؟ أترضى أن أعتدي على حريتك أو حرية الآخر حتى لو كان عدوك.. إن كنت منصفا وواعيا فلن ترضى لأن الحرية حق مشترك والدفاع عنها واجب مشترك.

لكن هناك شرائح في الشعب الجزائري ترى أن الجبهة كانت من مسببات الأزمة؟

لابد أن نعلم أن هناك أيضا شريحة مجندة للمشروع الاستعماري الجديد، فحملة لواء هذه الأحداث تعلمون من هم، وأنهم مثقفون ويسمون أنفسهم مثقفين حتى أن غيرهم لا يعتبر مثقفا.. الثقافة مرتبطة بمن يحمل هذا اللواء ومن يتجند لهذا المشروع. والسؤال المطروح: هل هو مشروع باطل أم حق؟ إذا كان باطلا فقول المبطل لا يكون حجة على المحق.

لكن بالنسبة لعامة الناس وحتى تصلون إليهم بمبادرتكم ينبغي أن توضح لهم الأمور.

العامة في الغالب أقرب إلى الفطرة، أنا أخشى على المبادرة من المثقف المزيف خاصة على المدى البعيد ولا أخشى من رجل الفطرة.

أما كيف يصل الأمر إلى العامة فالناس في الجزائر لا يثقون في الإعلام الحكومي، وصار قوت الإعلام قبل قوت الخبز، لذلك فإن الشريحة الإعلامية واسعة جدا.. لا تجد بلدا تغطي صحون الفضائيات بناياته مثل الجزائر رغم الفقر والحاجة.

المهم هو صدق البلاغ وجدية الخطاب وواقعيته وتموقعه من نفس المخاطب بحيث تصبح نفسه هي التي تطلبه، حينها لا تحتاج أن تذهب إليه وإنما هو الذي يبحث عنك. التعطش للمعلومة الصادقة الصحيحة صار أكثر من الماء. الشعب الجزائري اليوم رغم حاله أكثر وعيا من غيره، وقس عليه الشعب الفلسطيني وإلا كيف يقف شعب موقف الصمود.. صمود ضرورة البقاء.

هذا المتوقع من الشعب الجزائري، فهو لم يخيب أمل أو ثقة من تبنى قضيته بصدق، فقط ينبغي أن نكون نحن الذين ابتلانا الله بهذه المهمة في مستوى الصدق والأمانة والتبليغ، أما هو فسيكون في مستوى مسؤولياته.

ولا قدر الله حتى لو لم يقم بواجبه، فكل طرف يتحمل مسؤوليته أمام الله وأمام الوطن وأمام أجيال الأمة المستقبلية.

أنا لا أخاف من الشعب بقدر ما أخاف على نفسي أن أكون مقصرا في أداء الأمانة، ولذلك يقول الله تعالى "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل".. القرآن قدم أداء الأمانة على الحكم، لأنه لا يمكن لهذه الأمة الواعية الرسالية أن يحكمها غير الأمين، لأن إسناد الأمر إلى غير الأمين كارثة.

كتبتم تعهدا بعدم ممارسة العمل السياسي ووقعتم على بعض الشروط للإفراج عنكم والسماح لكم بالسفر؟

لم أتعهد.. كان منذ وقت بعيد السيد عبد العزيز بوتفليقة قال إذا تخلى عباسي وعلي بن حاج عن السياسة يمكنهم أن يخرجوا من السجن، فبقينا لسنوات. أما الإمضاء على الشروط التي وضعوها فكان إمضاء شكليا ولا يعتبر تعهدا.

التوقيع كان على ماذا؟

كان على الالتزام بتلك الشروط التي وضعها النائب العام العسكري، لكنها شروط جائرة وظالمة، ولابد أن نشن حربا ضدها حرب الحق.. لأنها قوانين ما أنزل الله بها من سلطان.

ولكنكم مع ذلك وقعتم عليها.

نعم وقعت عليها التوقيع الشكلي لا غير وليس الرضا.

ما موقفكم من حظر جبهة الإنقاذ؟

حظرها غير شرعي ومن قام به معتد على الشرعية.. كيف تكون الشرعية لفاقدها؟! جبهة الإنقاذ جبهة مؤسسة دستوريا وانتخابيا.

وما مستقبلها كحزب؟

مستقبلها مستقبل الجزائر.. نحن لا نستطيع أن نتوقع أمرا لا ندري ماذا سيكون في المستقبل.

هل يمكن الحديث عن هياكل خاصة بالجبهة داخل الجزائر؟

أنا أعرف أن قاعدة الجبهة لا يمكن أن تزول مهما سلط عليها من قهر وقمع.. ضحاياها الآن يزيدون عن 100 ألف سجين، ومن المخطوفين المفقودين عدد كبير أيضا.. قاعدة الجبهة مازالت ثابتة على عهدها.

على أي أساس تقولون هذا؟

على أساس وجودي.. أنا لا أقول إن هناك تنظيما.. لا وجود للتنظيم ولكن هناك تعهد وجداني وارتباط وجداني.

هل ستعيدون تشكيل الحزب مرة أخرى؟

أنا لا أجيب على أسئلة افتراضية.. الله أعلم.

وهل يمكن القول حاليا: الدكتور الشيخ عباسي مدني رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟

مؤتمر الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الخارج أعاد انتخاب مدني رئيسا
نعم أنا رئيسها.

من حيث هي تنظيم هي غير موجود.

لأنني لم أعزل.. وعقد مؤتمر في الخارج وطلبت منهم أن يعينوا غيري ولم يعينوا.

مازالت للجبهة هياكل في الخارج.

في الخارج لا يزالون، واتفقوا بالتراضي أن أبقى رئيسا للجبهة.

هل ستشاركون في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

أنا أقول لك الباخرة غارقة وأنت تقول لي هل ستسافر في الباخرة الغارقة؟ هل أنا مجنون؟ الباخرة غارقة وكل من فيها غارق، وتريدني أن أركب في الباخرة الغارقة!.. إذن أنا مجنون.
___________________
* الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة