شفيق شقير

رغم كثافة ردود الفعل الدولية المستنكرة للغارة الإسرائيلية على الأراضي السورية يوم الأحد 5 أكتوبر/ تشرين الأول، فإن هذه الردود لا يمكن أن تشكل ضمانة من عدم تكرار إسرائيل لفعلتها، وذلك في ظل موقف أميركي غير معترض على التصرف الإسرائيلي، هذا إذا لم يكن راضيا عنه.

فبحسب البيت الأبيض فإن الإدارة الأميركية لم تعرف بأمر الغارة إلا بعد وقوعها، ولكنها لم تتردد على لسان عدد من مسؤوليها في إلقاء اللوم على سوريا، وأنها "تقف على الجانب الخطأ في الحرب على الإرهاب" كما أن عليها أن تكف عن "إيواء الإرهابيين" الذين يديرون "الأعمال الإرهابية من سوريا" في إشارة للمنظمات الفلسطينية المقاومة.

وأفشلت واشنطن أي محاولة لإدانة إسرائيل في مجلس الأمن الدولي، وإذا لم يتمكن المجلس من تبني قرار يحمل إسرائيل مسؤولية الاعتداء ولو بالحد الأدنى، فإن ذلك سيرسي قاعدة جديدة في التعامل الإسرائيلي مع سوريا مفادها حق الدولة العبرية في الرد على المقاومة الفلسطينية في العمق السوري، ومن باب أولى في العمق اللبناني.

لهذا بادرت المنظمات الفلسطينية في مخيمات لبنان إلى إعلان الاستنفار في أكثر من مخيم تحسبا لأي هجوم إسرائيلي، ونشرت عددا من مضادات الطيران وسط تخوف من قيام إسرائيل بعمليات اغتيال لبعض القيادات الفلسطينية تنفيذا لدعوات سابقة كان قد أطلقها بعض المسؤولين الإسرائيليين لتوسيع دائر الرد على العمليات الفدائية لتشمل اغتيال قيادات المقاومة الفلسطينية في الخارج.

وكان محمد نزال أحد قياديي حركة حماس كان قد أعلن في الأسبوع الماضي إحباط دولة عربية لمحاولة اغتيال عدد من قادة المقاومة الفلسطينية في الخارج.

طائرات إف/16 سلاح إسرائيلي للاغتيال

ويرى البعض أن سوريا عاجزة عن مواجهة إسرائيل أو الدخول في حرب محدودة أو مفتوحة معها، لأنها لا تملك قدرة عسكرية رادعة، وفي نفس الوقت فإن الذريعة التي استعملتها إسرائيل للقيام بهجومها السابق الذكر تصلح لأن تستعملها للقيام بمغامرة عسكرية أكبر لفرض وقائع جديدة إذا ساعدتها الظروف.

وإن عدم إعلان سوريا عن وقوع الغارة واكتفائها بانتظار إعلان إسرائيل عنها وكذلك اختيارها الرد الدبلوماسي فقط مؤشر على ذلك.

ويبدو أن القيادة السورية تدرك أن ما تسميه سياسة "ضبط النفس" التي تنتهجها يمكن أن تفسر على هذا النحو، لهذا ضمّن وزير الخارجية السوري فاروق الشرع رسالته التي وجهها إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان قوله "إن سوريا ليست عاجزة عن خلق توازن مقاوم ورادع يلزم إسرائيل إعادة حساباتها".

وتعتبر إسرائيل حزب الله إحدى الأوراق التي دأب السوريون على استعمالها، لكن تل أبيب تعتقد أن حزب الله يمر بحالة ضعف نتيجة للظروف الإقليمية الضاغطة عليه وعلى القوى التي تدعمه -سوريا وإيران- بعد الغزو الأميركي للعراق، وأنه لا يملك إلا مسألة الأسرى ليحافظ على مكانته التي بلغها، ولهذا كان الرد على عملية حيفا الفدائية في سوريا وقرب العاصمة السورية قرارا أسهل من الرد بطرد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.

وفضلا عن ذلك فإن إسرائيل تدرك موقف سوريا الحرج والقابل للابتزاز بحسب تصورها، فسوريا من "الدول الراعية للإرهاب" حسب التصنيف الأميركي، وهي متهمة "بتسريب الإرهابيين" إلى العراق عبر حدودها، وقانون محاسبة سوريا لا يزال معروضا للبحث في الكونغرس الأميركي وسط توقعات جدية بأنه سيمر دون أن يلقى معارضة من إدارة الرئيس بوش المتعثرة في العراق والتي ستحتاج إلى تبرير مقنع لتردي الأوضاع في العراق خاصة وأنها على عتبة انتخابات رئاسية أميركية جديدة.

لكن إسرائيل تدرك أن دمشق ستعمل ما بوسعها لإحباط أي محاولة لفرض قاعدة جديدة في الصراع العربي الإسرائيلي، وأنها تمتلك ما يكفي من المرونة لعقد صفقة -ولو كانت بخسائر- مع واشنطن، فهي جارة العراق يصعب على الولايات المتحدة تجاهل ثقلها في المنطقة.
_______________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة