النيران تشتعل في بساتين أشجار الزيتون بقرية بورين قرب مستوطنة يتسهار في الضفة الغربية بعد أن حرقها المستوطنون (أرشيف)

رغم الجولات التفاوضية الماراثونية بين السلطة الفلسطينية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة فإن سلطات الاحتلال عرقلت قيام بنية اقتصادية فلسطينية مستقلة. وأعاقت قيام حركة صناعية فلسطينية رغم توفر الإمكانات الفنية لذلك، بينما كان الاقتصاد الزراعي الفلسطيني يواجه القيود التي تفرضها الدولة العبرية على التصدير.

ومع اندلاع انتفاضة الأقصى دخلت المتاعب الاقتصادية للمواطنين الفلسطينيين طورا أشد من العقوبات الجماعية الإسرائيلية بحقهم. ويتحدث الفلسطينيون اليوم عن "معركة التجويع" التي تفرضها سلطات الاحتلال عليهم.

ويبدو أن المعركة الاقتصادية تدخل طورا مشددا في الأسابيع الراهنة. فهي تهدف إلى تدمير الاقتصاد الفلسطيني، فمع بدء موسم قطف الزيتون يبدو أن الحصار والعزل سيكون له ثمن باهظ على هذا الموسم. كما أن القيود المفروضة على التصدير تلحق خسائر باهظة بمزارعي الزيتون، تؤثر بصفة مباشرة على مداخيل بلدات فلسطينية بأكملها.


قوات الاحتلال دمرت عشرات الآلاف من أشجار الزيتون منذ بداية انتفاضة الأقصى, والمستوطنون ينفذون سلسلة اعتداءات ضد قاطفي ثمار الزيتون بهدف إرهابهم وحرمانهم من أحد مصادر رزقهم الأساسية
وعلاوة على ذلك تتمادى قوات الاحتلال في أعمال تجريف الأراضي الزراعية، وهو ما تفاقم بوضوح في قطاع غزة في الأيام الماضية. فمنذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري وقوات الاحتلال تواصل تجريف الأراضي الزراعية الواقعة إلى الغرب من الخط الأخضر شرق مدينة جباليا. وخلال خمسة أيام فقط أقدمت قوات الاحتلال على تجريف أكثر من 600 دونم من الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون المثمر، فضلا عن تدمير العديد من المنشآت الزراعية التابعة لتلك الأراضي.

ويمثل الزيتون، الذي دمرت قوات الاحتلال عشرات الآلاف من أشجاره منذ بداية انتفاضة الأقصى، محصولا رئيسيا للاقتصاد الزراعي الفلسطيني، وترتبط به صناعات كمعاصر الزيت وإنتاج الصابون. وتحتفظ هذه الشجرة دائمة الخضرة برمزية خاصة في الوعي الجمعي والتراث الفلسطيني، ترمز للارتباط بالأرض الواقعة تحت الاحتلال، مما يجعل العدوان على شجرة الزيتون شديد الوطأة على نفوس الفلسطينيين، زيادة على ما يلحقه بهم ذلك من خسائر اقتصادية فادحة.

وتسوق سلطات الاحتلال قائمة من الذرائع لسياسة تجريف الأراضي الزراعية الفلسطينية، كالمبررات الأمنية، ووضع اليد على الأراضي لتحويلها إلى مناطق عسكرية مغلقة، أو حتى لأغراض الاستيطان، فضلا عن سياسات العقاب الجماعي ردا على عمليات المقاومة. وفي واقع الأمر، لا تجد سلطات الاحتلال حاجة لسوق المبررات دوما، فمعظم اعتداءاتها على الأراضي الزراعية تجري بعيدا عن مراقبة وسائل الإعلام وبشكل مفاجئ وخاطف ودون سابق إنذار.

اعتداءات المستوطنين
وكان الكاتب الإسرائيلي ميرون بنفستي قد نشر العام الماضي كتابا بعنوان "التاريخ الدفين للأرض المقدسة" سلط الأضواء في جانب منه على سياسات الاحتلال القاسية بحق الأشجار الفلسطينية، وتطرق فيه إلى العدوان المتواصل الذي يشنه جنود الاحتلال والمستوطنون الإسرائيليون على أشجار الزيتون المعمرة، خاصة قيامهم باقتلاع أشجار الزيتون بقسوة، في تعبير عن الحقد على الزيتون الذي يرمز لرسوخ الشعب الفلسطيني في أرضه.

جرافة إسرائيلية تقتلع أشجار الزيتون في إحدى القرى الفلسطينية (أرشيف)
ومع بدء موسم قطاف الزيتون هذه الأيام لوحظ شروع المستوطنين اليهود بتنفيذ سلسلة اعتداءات ضد قاطفي ثمار الزيتون من المزارعين الفلسطينيين، بهدف إرهابهم وحرمانهم من أحد مصادر رزقهم الأساسية.

وكان الموعد صبيحة السبت الثاني عشر من الشهر الجاري مع أهالي بلدة بيت فوريك الواقعة إلى الشرق من مدينة نابلس. فعندما وصل مزارعو البلدة إلى أراضيهم، شرع المستوطنون بإطلاق النار بشكل كثيف باتجاههم، مما أجبر عددا من المزارعين على مغادرة الموقع، بينما استمر آخرون في أعمالهم. وفي أعقاب ذلك وصلت قوة من جيش الاحتلال إلى المنطقة، واحتجزت عددا من المزارعين وأبلغتهم بألا يعودوا ثانية إلى أراضيهم إلا بأذون خاصة من "الإدارة المدنية". وبعد احتجازهم لأكثر من ساعة، اعتقلت قوات الاحتلال ستة مزارعين واقتادتهم إلى جهة غير معلومة.

ويبدو ذلك حادثا يوميا مألوفا في الضفة الغربية وقطاع غزة هذه الأيام، فقد تزامن ذلك مع حوادث شبيهة في اليوم نفسه عانى منها المواطنون الفلسطينيون في قرى عوريف وكفر قليل ودير الحطب وسالم القريبة من نابلس. وتراوحت الاعتداءات بين إطلاق النار على المزارعين والحيلولة دون وصولهم إلى أراضيهم.

أما مزارعو قريتي سلواد والمزرعة الشرقية القريبة من رام الله، فقد أحرق المستوطنون اليهود ألفي شجرة زيتون في أراضيهم في اليوم نفسه.

ويرى الفلسطينيون في نهاية المطاف أن تجريف أراضيهم وتدمير أشجارهم وإتلاف محاصيلهم لا يعدو أن يكون أحد تجليات الاحتلال الكريه، الذي أصابت إجراءاته المشددة جميع مرافق الحياة اليومية للمواطنين الفلسطينيين بالشلل، لتبقى الحرب مستمرة على جميع الجبهات.

المصدر : قدس برس