إن الحركة الإسلامية تقف بكل ما أوتيت من قوة ضد الحكم الفردي الديكتاتوري والاستبداد السياسي وظلم الشعوب، وترفض أن تسير في ركاب أي ديكتاتور مستبد، وإن أظهر الود لها.
بمثل هذه العبارات القوية والأفكار الجريئة كان يستهل الشيخ جمال سليم الذي اغتالته إسرائيل مستخدمة طائرات الأباتشي في مكتب إعلامي تابع لحركة المقاومة الإسلامية حماس في نابلس الثلاثاء 31/7/2001 لقاءاته الجماهيرية ومحاضراته الفكرية داخل الأراضي المحتلة.

ولد الشيخ جمال سليم في مدينة نابلس عام 1958، وبعد أن حصل على بكالوريوس الشريعة الإسلامية من الجامعة الأردنية عام 1982 عاد إلى فلسطين ليعمل مدرسا لمادة التربية الإسلامية في المدرسة الثانوية الإسلامية في نابلس، وسرعان ما امتد نشاطه داخل حركة المقاومة الإسلامية حماس بعد تأسيسها في عام 1987، فاشتهر بخطبه ومحاضراته في مسجد معزوز في مدينة نابلس.

قبول الآخر
بعد أن اختير الشيخ جمال سليم كأمين سر لجنة التوعية الإسلامية وأمين سر رابطة علماء فلسطين في نابلس راح الشيخ جمال يركز في لقاءاته الجماهيرية على دحض فكرة عدم قبول الإسلاميين للآخر، واختيارهم الديمقراطية كخيار تكتيكي وليس استراتيجي بهدف الوصول عن طريق صناديق الاقتراع إلى السلطة ثم الانقلاب على العملية الديمقراطية برمتها بعد ذلك، وهي التهمة التي كان الإعلام الغربي يروج لها بقوة آنذاك خاصة في طيات أزمة الجزائر وتدخل الجيش في انتخابات البلديات أوائل التسعينيات من القرن الماضي والتي كانوا قاب قوسين أو أدني من الفوز بها، ومن كلماته المشهورة في هذا الأمر "إن الحركة الإسلامية تقف بكل أوتيت من قوة ضد الحكم الفردي الديكتاتوري والاستبداد السياسي وظلم الشعوب، وترفض أن تسير في ركاب أي ديكتاتور مستبد، وإن أظهر الود لها، وقد مرت الحركة الإسلامية بظروف مليئة بالقهر والاستبداد والأحكام العرفية والملاحقة والإعدامات، وفصلت لها قوانين لحرمانها من مزاولة نشاطاتها المشروعة، ولحرمانها من التعبير عن برامجها. وحركة مرت بهذه الظروف، لهي الأحرص على الأجواء الديمقراطية والحريات العامة، وهي في هذا تنطلق من منطلقات عقائدية ونصوص وردت في القرآن والسنة.

في مرج الزهور
أبعد الشيخ جمال سليم مع بعض أفراد حركة المقاومة الإسلامية حماس إلى منطقة مرج الزهور عام 1992 وهناك وبالاشتراك مع أقرانه المبعدين أجروا انتخابات لاختيار قيادة جماعية تتحدث باسمهم مكونة من 17 عضوا يعاد انتخابها مرة كل ثلاثة أشهر، وقد جرى أثناء فترة إبعادهم أكثر من أربع جولات انتخابية، وبالرغم من صعوبة الإبعاد والحرمان من الوطن فإن هذه التجربة ظلت حية في قلبه وعقله وعنها يقول " إن الإبعاد يمثل ملحمة بطولية صمودية حقيقية للذين مثلوا الشعب الفلسطيني وأعطوا صورة للثبات والصبر والإيمان بحتمية العودة رغم صور العقلية الهمجية للصهيونية البشعة التي استهدفت تفريغ الأرض عبر سياساتها البائسة التي فشلت في إطفاء جذوة الانتفاضة".

اللاجئون
قضية اللاجئين الفلسطينيين كانت من أهم القضايا التي شغلت الشيخ جمال سليم في الفترة الأخيرة والتي اعتبرها "لب الصراع العربي الصهيوني، وتجسيدا لمأساة شعب دمرت من قراه أكثر من 530 قرية" واعتبرها أطول جريمة ضد الإنسان الفلسطيني، وقضية متوارثة لا تموت طالما بقي فلسطينيون يتوالدون ويتناسلون.

ويؤكد الشيخ جمال على ضرورة التفريق بين حق العودة وحق التعويض أثناء الحديث عن قضية اللاجئين الفلسطينيين، وعن هذا الأمر يقول"حق التعويض ليس بديلاً عن حق العودة و إنما هو حق ملازم لعودة اللاجئين، فالتعويض يهدف إلى إصلاح الضرر ودرء المعاناة المادية و المعنوية التي لحقت باللاجئين الفلسطينيين خلال نصف قرن من الزمن، ولكنه لا يعتبر بحال تعويضاً عن الأرض أو بدلاً عن حق العودة، والتعويض بدلاً عن حق العودة بيع للوطن وتفريط في الأرض وشعبنا لا يبيع أرضه ووطنه أبدا".

ورفض الشيخ جمال فكرة العودة الجزئية لبعض الفلسطينيين إلى مناطق السلطة الفلسطينية أو العودة الفردية للجيل الأول إلى فلسطين 48 كحل إنساني ضمن إطار جمع شمل العائلة واعتبر هذه الطروحات والدعوات التفاف على حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وأوطانهم.

ترأس الشيخ جمال سليم العديد من اللجان والفاعليات وبخاصة بعد اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر/أيلول 2000 وكان من الأعضاء المؤسسين للجنة "التنسيق الفصائلي" في محافظة نابلس والتي كان من أهم أهدافها تنسيق المواقف بين المقاومة الفلسطينية بمختلف تياراتها في الميدان.


جمال منصور

الشيخ جمال منصور
أما الشيخ جمال منصور والذي ولد في مخيم بلاطة عام 1960، فلا يقل في نشاطه الدعوي عن زميله الشيخ جمال سليم، وقد عمل الاثنان معا في حركة المقاومة الإسلامية حماس منذ تأسيسها، واشتغل بالصحافة والإعلام منذ تخرجه في شعبة المحاسبة من جامعة النجاح الوطنية عام 1982، واعتبرته إسرائيل من الشخصيات المطلوب تصفيتها واعتبرت نشاطه الإعلامي تحريكا للشارع الفلسطيني كما اعتبرت دوره في الانتفاضة التي تشهدها الأراضي المحتلة الآن مبررا كافيا لاغتياله.

الاغتيال
وضعت إسرائيل الشيخان على رأس القادة الفلسطينيين المطلوب تصفيتهم، وفي عصر الثلاثاء 31/7/2001 وأثناء لقاء جمعه والشيخ جمال منصور في مكتب إعلامي تابع لحركة المقاومة الإسلامية حماس في نابلس، وصلت طائرة من طراز أباتشي ووجهت نيرانها عبر نوافذ المكتب فاستشهد هو والشيخ جمال منصور وستة آخرون بينهم صبيان في العاشرة من عمرهما وتناثرت أشلاؤهم جميعا في المبنى، وقد جاءت هذه الحادثة بعد يومين فقط من وضع مجموعة من اليهود المنتمين لجماعة تطلق على نفسها "أمناء جبل الهيكل" حجر الأساس بشكل رمزي لهيكل سليمان بالقرب من المسجد الأقصى الذي بات مهددا أكثر من أي وقت مضى، مما زاد من توتر الأجواء المشحونة بالغضب وتهيأ الجو لمزيد من عمليات الانتقام التي لا يستطيع المراقبون التنبؤ بنتائجها المستقبلية.
______________
المصادر:
1- مركز البحوث والدراسات الفلسطينية.
2- نص الورقة السياسية المقدمة من جمال سليم إلى المؤتمر الوطني الشعبي لعودة اللاجئن.

المصدر : الجزيرة