فيصل الحسيني
يجب ألا يتوقف سقف المفاوضات التي تجرى بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل عند حد القدس الشرقية فقط ولكنها يجب أن تمتد كذلك إلى القدس الغربية التي هي من حق الفلسطينيين، وينبغي ألا تتحول الانتفاضة الحالية إلى عمل عسكري مسلح قبل اكتساب الرأي العام العالمي إلى جانبها، وعليها أن تستفيد من سلبيات انتفاضة عام 1987.. كانت هذه التصريحات هي آخر ما كان يدعو إليه فيصل الحسيني الوزير الفلسطيني المسؤول عن ملف القدس في السلطة الفلسطينية قبل أن يُعلن عن وفاته في الكويت مساء أمس إثر أزمة قلبية وضعت نهاية لأربعين عاماً من العمل السياسي.

ينتمي فيصل عبد القادر الحسيني الذي ولد في بغداد عام 1940 لأسرة فلسطينية وطنية عريقة، من أشهر أفرادها جده موسى كاظم الحسيني ووالده الشهيد عبد القادر الحسيني الذي سيدفن بجواره في الحرم القدسي. وكان متزوجا وأبا لاثنين عبدالقادر وفدوى.وللفقيد شقيقان وشقيقة، والشقيقان هما غازي وهو من رجالات منظمة التحرير الفلسطينية وكان أول سفير للمنظمة في طهران بعد انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، وموسى، وهو أيضا أحد رجالات المنظمة.

فيصل الحسيني (1940 – 2001)
ولد فيصل الحسيني في بغداد عام 1940، وتلقى تعليمه الأولي بها ثم أكمل دراسته الجامعية في القاهرة ودمشق، وقرر الاستقرار في القدس عام 1964، وانخرط في صفوف العمل الوطني منذ ذلك التاريخ حتى وفاته في الكويت الخميس 31/5/2001.

شارك فيصل الحسيني في تأسيس الاتحاد العام لطلبة فلسطين بالقاهرة عام 1959، وانضم لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1965، ثم التحق بأكاديمية الضباط السورية، وبعد أن أنهى دراسته العسكرية بها انضم إلى جيش التحرير الفلسطيني عام 1967.

اقتنع فيصل الحسيني بأن التوثيق التاريخي جزء مهم في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية فأسس "مجمع الدراسات العربي" وترأس هذه المجمع منذ إنشائه عام 1979 حتى وفاته، وانتخب كذلك عضواً في المجلس الأعلى الإسلامي بالقدس منذ عام 1982.

رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق شامير مشاركته ضمن الوفد الفلسطيني في مؤتمر مدريد للسلام الذي عقد في أكتوبر/تشرين الأول 1991 بحجة أنه من سكان القدس الشرقية التي تعتبرها إسرائيل جزءا من أراضيها، وحتى لا يجعل مسألة القدس قضية يمكن أن تطرح للنقاش، مما اضطر فيصل الحسيني إلى بناء بيت في الضفة الغربية، وقد أتيحت له بعد ذلك فرصة المشاركة في عهد إسحق رابين.

رؤاه السياسية


انتفاضة الأقصى تسبب قلقاً لإسرائيل، ويزداد معها رجل الشارع الإسرائيلي كل يوم قناعة حينما يرى إصرار الفلسطينيين على التظاهر والمطالبة بحقوقهم بأن هذا المكان الذي احتلوه لا يمكن أن يبقوا فيه

ينتمي فيصل الحسيني إلى المدرسة السياسية التي تعترف بحق إسرائيل في الوجود، ويدعو إلى تطبيق قرارات الأمم المتحدة فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي وبالأخص قراري 242 و338 ، ويطالب بعودة اللاجئين الفلسطينيين أو بحقهم في التعويض، ويؤكد أن خيار السلام هو أفضل الخيارات المتاحة أمام السلطة الوطنية الفلسطينية حتى في ظل استمرار التصعيد العسكري الذي تقوم به الحكومة الإسرائيلية، مبرراً ذلك بأن السلطة الفلسطينية ليست مستعدة بعد للأخذ بالخيار العسكري في صراعها مع إسرائيل، وليس معنى ذلك الدعوة إلى وقف الانتفاضة -كما قال في الندوة العالمية للقدس التي عقدت في قطر في نوفمبر/تشرين الثاني 2000- إذ يرى أن أهمية الانتفاضة تكمن في أنها "تسبب قلقاً لإسرائيل، ويزداد معها رجل الشارع الإسرائيلي كل يوم قناعة -حينما يرى إصرار الفلسطينيين على التظاهر والمطالبة بحقوقهم– بأن هذا المكان الذي احتلوه لا يمكن أن يبقوا فيه". وبالنسبة لتأثيرها في المجتمع الدولي فيرى أهميتها في "تغيير قناعات الرأي العام العالمي، وحشد المواقف العربية والإقليمية في صف القضية الفلسطينية".

غير أنه كان يشدد دائماً على ضرورة ألا تتحول الانتفاضة إلى عمل عسكري مسلح ما لم تتم تهيئة الرأي العام الدولي، وفي هذا يقول "إننا أدركنا بمرور الزمن وكثرة الانتفاضات التي قام بها شعبنا على مدى أكثر من 50 عاماً أن كسب الرأي العام العالمي مهم لقضيتنا".

وعن أهمية التنسيق بين فصائل المقاومة الفلسطينية على الأرض أثناء مقاومتهم للاحتلال في انتفاضة الأقصى الحالية يقول الحسيني "إن هذا الأمر هو أهم ما تعلمته الانتفاضة الحالية من انتفاضة عام 1987 التي بدأت ثورة جماهيرية لشعب يواجه جيش الاحتلال، ثم تحولت إلى جيش شعبي يواجه جيش الاحتلال، وظهر نتيجة عدم التنسيق بين فصائل المقاومة الفلسطينية على الأرض آنذاك نوع من الفوضى حينما كانت تجوب دوريات من أعضاء المقاومة القرى وتشتبك من دون قصد مع غيرها من الفصائل الأخرى ظناً منها بأنها إسرائيلية، حتى وصلنا في انتفاضة 1987 إلى حالة أن يقاتل بعضنا بعضا مما سبب مشاكل اجتماعية وعائلية".

ويعتبر البعض هذه الأطروحات تراجعاً عن خط الكفاح الوطني العسكري والسياسي الذي تميزت به أسرة الحسيني ذات التاريخ الوطني العريق كما يتضح من استعراض أهم شخصيات آل الحسيني.

والده عبد القادر الحسيني (1908 – 1948)
ولد في القدس عام 1908 وانتقل إلى القاهرة عام 1925 لمتابعة دراسته الثانوية، التحق بالجامعة الأميركية وأنشأ بها أول رابطة للطلبة الفلسطينيين، لكنه طرد منها بسبب مواقفه الوطنية، فعاد إلى القدس عام 1933.

في القدس تولى سكرتارية "جمعية الشباب المسلم المتعلم" عن إدارة مكتب الحزب العربي الفلسطيني في القدس، وبدأ تشكيل منظمات سرية شبه عسكرية لجأت إلى الجبال وشاركت في الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936.

أصيب أثناء ثورة 1936 وألقت القوات البريطانية القبض عليه، لكنه تمكن من الفرار إلى دمشق حيث عولج هناك. تدرب على استعمال المتفجرات في بغداد وألمانيا، وشارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق عام 1941.

استمرت حياة عبد القادر الحسيني الحافلة بالجهاد الوطني إلى أن استشهد في معركة القسطل مع اليهود عام 1948.

جده موسى كاظم الحسيني (1853 – 1934)
ولد موسى كاظم الحسيني في القدس عام 1853 ودرس في إسطنبول بتركيا، والتحق بالإدارة العثمانية التي عينته قائمقام على صفد وعجلون ثم متصرفاً "مسؤولاً" في الأناضول وشرقي الأردن ونجد، وتولى عام 1918 رئاسة بلدية القدس، وقاد مظاهرات عام 1920 تطالب بانضمام فلسطين إلى سوريا وتحارب الهجرة اليهودية، وبسبب ذلك أقاله الحاكم البريطاني من منصبه، وانتخبه المؤتمر العربي الفلسطيني الثالث عام 1920 رئيساً للجنة التنفيذية العربية، وظل يشغل هذا المنصب حتى وفاته في عام 1934 متأثراً بإصابة ألحقها به جنود الاحتلال البريطاني.

النهاية
وبعد حياة حافلة بالكفاح الوطني وأثناء زيارته للكويت كأول مسؤول فلسطيني بعد حرب الخليج الثانية 1990 للمشاركة في مؤتمر لمناهضة التطبيع، أعلن عن وفاته في ساعة متأخرة من الليل متأثراً بنوبة قلبية حادة. ونقل جثمانه إلى عمان على متن طائرة كويتية تمهيدا لنقله إلى القدس المحتلة ليوارى الثرى إلى جانب والده الشهيد عبدالقادر الحسيني.
_________________
المصادر:
1- نص الكلمة التي ألقاها فيصل الحسيني في مؤتمر ندوة القدس العالمية، الدوحة، قطر، نوفمبر/تشرين الثاني 2000.
2- Faisal Husseini, role profile
3- قناة الجزيرة، برنامج أكثر من رأي، مستقبل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية.
4- موسوعة السياسة، المجلدين الثاني والثالث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 1983.

المصدر : الجزيرة