أرييل شارون

القدس – إلياس زنانيري
قبل عشر سنوات توجه شارون وزير الإسكان في حكومة إسحق شامير إلى الولايات المتحدة ليجد أنه كان شخصا غير مرغوب فيه بسبب سياسة الاستيطان التي اتبعها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

في تلك الفترة كان الرئيس جورج بوش الأب غاضبا على سياسة إسرائيل الاستيطانية، فأوعز إلى وزير الإسكان الأميركي جاك كامب بعدم استقبال شارون رسميا في مكتب الوزارة، واضطر الوزيران لعقد لقائهما في مبنى السفارة الإسرائيلية بواشنطن.

وكان وزير الخارجية الأميركي آنذاك جيمس بيكر ينظر إلى سياسة شارون على أنها محاولة لنسف كل الجهود التي كانت تبذلها الولايات المتحدة لعقد مؤتمر مدريد للسلام. وشاء القدر أخيرا أن الإدارة الأميركية برئاسة جورج بوش الأب التي رفضت استقبال شارون وزيرا للإسكان قبل عشر سنوات، تعود وبرئاسة جورج بوش الابن لتستقبله اليوم رئيسا للوزراء.

وتاريخ علاقة شارون بالإدارات الأميركية المتعاقبة حافل بالتوتر الذي يعود إلى مطلع الثمانينيات، حين حاول شارون بيع أسلحة إسرائيلية الصنع إلى إيران أثناء حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران ومن ثم دوره في الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982.

واليوم يتوجه شارون إلى واشنطن ليستمع من جديد إلى سلسلة من الانتقادات على سياسته وخاصة قرار فرض الحصار المحكم على الأراضي الفلسطينية وتحديدا مدينة رام الله والقرى المجاورة لها، وتدمير شبكات الطرق الرئيسية التي تربط المدينة بسائر مناطق المحافظة، وبسبب قرار حكومته عدم دفع المستحقات الضرائبية للسلطة الوطنية الفلسطينية.

وتؤكد محافل أميركية أن الرئيس جورج بوش سيستمع يوم الثلاثاء القادم وبكل آذان صاغية إلى شارون، محاولا أن يفهم الأسس الجديدة التي يحملها معه رئيس الوزراء الإسرائيلي والمقترحات التي بحوزته لاستئناف عملية السلام المتوقفة في المنطقة منذ أغسطس/ آب الماضي. ولكن في الوقت نفسه سيحاول الرئيس بوش التعامل بكل حذر في موضوع المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية تفاديا للخطأ الذي وقع فيه الرئيس السابق بيل كلينتون حين ألقى بكل ثقله في المفاوضات ففشلت وفشل هو في اعتبار نفسه مرشحا رئيسيا لجائزة نوبل للسلام.

ولذلك فإن أركان سياسة الرئيس جورج بوش الابن في الشرق الأوسط تقوم على تشجيع الفلسطينيين على وقف ما يسمى بالعنف، وتشجيع إسرائيل على اتخاذ خطوات لبناء الثقة من أجل تخفيف الاحتقان في العلاقات مع السلطة الوطنية الفلسطينية، وصولا إلى تمهيد الطريق أمام استئناف ناجح للمفاوضات بين الجانبين.

كما سيطلب الرئيس الأميركي من شارون وقف سياسة التصفيات الجسدية -باستخدام الأسلحة الأميركية- التي قامت بها الوحدات الخاصة في الجيش الإسرائيلي ضد عناصر من حركة فتح وغيرها. ولكن قد لا يعني هذا الطلب وقف التصفيات الجسدية بشكل نهائي، خاصة أن الصناعات العسكرية الإسرائيلية ليست عاجزة على الإطلاق عن تصنيع أفضل ما يلزم هذه الوحدات الخاصة من أسلحة مستوحاة من أفلام جيمس بوند وغيرها.

يذكر أن إدارة الرئيس بوش قد أرسلت أكثر من رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد. وكانت أولى هذه الرسائل ما جاء في كلمة ألقاها بوش أمام وفد من ممثلي الجالية اليهودية في الولايات المتحدة حين قال لهم إنه يفهم الموقف الإسرائيلي القاضي بعدم البدء بأي مفاوضات مع الفلسطينيين طالما استمرت أعمال العنف. واستبشر الإسرائيليون وقتها خيرا، وراح مقربو شارون يكيلون المديح للرئيس بوش وحاشيته الصديقة.

ولكن بعد مرور 48 ساعة صدرت عدة تصريحات عن مسؤولين أميركيين انتقدوا فيها الحصار وسائر سبل الضغط الإسرائيلية على الرغم من الادعاءات الإسرائيلية بأن الحصار جاء نتيجة لدوافع أمنية. ثم اتصل وزير الخارجية كولن باول بكل من شارون ووزير خارجيته شمعون بيريز وانتقد بشدة سياسة الإغلاق الإسرائيلية وتحديدا الحصار المضروب حول رام الله، وقال إن هذه الإجراءات من شأنها أن ترد الكيد إلى نحره وتأتي بنتائج عكسية تماما وتزيد من حدة العنف في المنطقة.

وعلى الرغم من أن باول -وفق ما أكدت مصادر أميركية وإسرائيلية- أبدى تفهما لاحتياجات إسرائيل الأمنية فإنه أصر على أن تنتهج إسرائيل سياسة أكثر ليبرالية تجاه الفلسطينيين، وأن تفرج فورا عن الأموال الفلسطينية المحتجزة لديها من العوائد الضرائبية.

ولم تكن خطوات باول تلك الوحيدة التي أراد من خلالها تهدئة روع الأطراف العربية التي سارعت إلى انتقاده علنا، خاصة عندما أدلى بتصريحه المعروف حول نية الإدارة الأميركية نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس التي وصفها بعاصمة إسرائيل، فقد دعا باول بعد تلك التصريحات بأسبوع تقريبا مندوبين عن اللوبي العربي إلى اجتماع في مكتبه وكان بينهم خليل جهشان وجيمس زغبي. وأكد الوفد العربي الأميركي أن على الولايات المتحدة منع إسرائيل من استخدام الأسلحة الأميركية في تصفية الفلسطينيين، وطلب إيضاحات من الوزير الأميركي بشأن نقل السفارة إلى القدس، فرد عليهم باول بقوله إنه لم يتم اتخاذ أي خطوات على هذا الصعيد وإن مكانة القدس ستحدد فقط على طاولة المفاوضات. كما تعهد باول بإثارة موضوع التصفيات الجسدية مع شارون أثناء زيارة الأخير إلى واشنطن.

يقال إن المندوبين العرب الأميركيين عندما خرجوا من لقائهم مع باول علقوا بجملة مقتضبة قالوا فيها "يمكن القول إن لنا صديقا من الآن فصاعدا في وزارة الخارجية الأميركية."

باختصار لا يتوقع الأميركيون من شارون التوصل إلى اتفاق سريع مع السلطة الوطنية الفلسطينية، ولكنهم على الأقل سيصرون على أن يعمل كل ما بوسعه لتهدئة الأوضاع في المناطق الفلسطينية. وكما قال أحد المسؤولين الأميركيين فإن الإغلاق والتصفيات الجسدية هي أيضا أعمال تندرج في إطار العنف الذي تسعى الإدارة الأميركية إلى تخفيفه في المنطقة.

وفي تقرير بعثت به مراسلة يديعوت أحرونوت في واشنطن أورلي كاتس أزولاي إلى صحيفتها يوم الجمعة الفائت قالت فيه إن الإدارة الأميركية ترى في نفسها "الشريف" الذي أنيطت به مهمة الحفاظ على الأمن العالمي، ولذلك فإنها ستعمل على فحص مدى التزام شارون بتعليماته. وإذا ما تصرف شارون وكأن الشريف غائب عن الساحة وتسبب في حدوث المزيد من التدهور في الشرق الأوسط، فإن الإدارة الأميركية لن تعدم وسيلة لتلقينه درسا، خاصة أن مجلس الأمن القومي أعد خطة طوارئ لكل من شارون وعرفات، وكل من يحاول امتشاق حسامه قبل الآخر سيجد مسدس الشريف مصوبا إلى رأسه.

إلى ذلك فإن شارون سيحمل معه مجموعة من الملاحظات والمطالب، ولكنه في الأساس سيتفادى تكرار الخطأ الذي وقع فيه سلفه إيهود باراك حين التقى الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون لأول مرة بعد فوزه في الانتخابات البرلمانية في إسرائيل عام 1999. حينها استمرت الجلسة حوالي عشر ساعات فتح أثناءها باراك كل تفاصيل مشروعه للحل النهائي مع الفلسطينيين وعرض الخرائط التفصيلية لحدود الدولة الفلسطينية العتيدة وللمستوطنات اليهودية التي سيتم إخلاؤها وتلك التي سيتم ضمها إلى إسرائيل، والمدى الذي تستطيع من خلاله إسرائيل السماح لبضعة آلاف من اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم داخل الدولة العبرية.

أما شارون فإنه سيحاول أن يركز على العموميات دون الدخول في التفاصيل، وسيحاول عدم إطالة اللقاء مع الرئيس بوش لأكثر من ساعة واحدة هي تلك التي خصصها قسم المراسم في البيت الأبيض. وبذلك يكون شارون قد نقل رسالة مقتضبة إلى الإدارة الأميركية مفادها أنه سيقبل بتنفيذ كل الاتفاقات الموقعة مع السلطة الوطنية الفلسطينية والتي أقرها الكنيست الإسرائيلي، أي اتفاق الخليل واتفاق واي ريفر، ولكن ليس بالضرورة تفاهمات شرم الشيخ. ولذلك فمن غير المستبعد أن يعرض شارون إعادة تنفيذ المرحلة الثالثة من انتشار القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية وفق ما اتفق عليه الطرفان في مفاوضات واي ريفر التي شارك فيها شارون شخصيا، شريطة التزام الجانب الفلسطيني بها وبتنفيذ الشق الفلسطيني من النقاط العالقة في الاتفاق.

كما سيحدد شارون أفق الحل السياسي الذي يسعى للتوصل إليه مع الفلسطينيين بحيث لا يتجاوز حلا مرحليا بعيد الأمد يضمن الاستقرار في المنطقة ويوفر عليه عناء البحث عن حلول نهائية تتطلب ثمنا سياسيا كبيرا لا طاقة له بدفعه في المستقبل المنظور، تاركا الأمر للجيل القادم من المسؤولين الإسرائيليين.

أما في ما يتعلق بالمساعدات الأميركية لإسرائيل فسيطلب شارون من الرئيس بوش تقديم مبلغ 400 مليون دولار من المساعدات الإضافية التي وعد بها الرئيس السابق كلينتون لقاء الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وسيطلب كذلك تعزيز التعاون الاستراتيجي بين البلدين وربما الإفراج عن الجاسوس الأميركي اليهودي جوناثان بولارد الذي يقضي حكما بالسجن المؤبد في أميركا بعد إدانته بالتجسس لحساب إسرائيل عندما كان يخدم في سلاح البحرية الأميركية.

وللإدارة الأميركية الجديدة تجربة مريرة مع الصراع المحتدم حاليا بين السلطة الوطنية وإسرائيل، فعندما زار كولن باول وزير الخارجية الأميركي المنطقة قبل شهر كان واضحا في مطالبته إسرائيل بالإفراج عن الأموال العائدة إلى السلطة الفلسطينية وفي طلبه من الرئيس عرفات وقف العنف، ولكنه وجد بعد مدة أن أيا من مطالبه لم تلق آذانا صاغية لدى كلا الطرفين. ولكن ما قد يخفف من وطأة الفشل الآني الذي مني به باول في زيارته الأولى للمنطقة هو أن حكومة باراك كانت في النزع الأخير، وكانت تدرك أن أيامها المعدودة لم تكن لتجبرها بأي شكل من الأشكال على التجاوب مع رغبات وزير الخارجية الأميركية، وبالتالي فقد كانت تفضل عدم التعاطي قدر الإمكان مع العبوة الناسفة التي كانت تمثلها الانتفاضة الفلسطينية، تاركة هذه المهمة الشاقة والمعقدة لحكومة شارون الجديدة التي كانت في طور الإعداد.

بيد أن الموقف اليوم تغير نوعا ما وبات على الحكومة الجديدة في إسرائيل أن تبحث عن حلول مقبولة لدى الجانب الأميركي لتهدئة الأوضاع وخلق الأجواء المناسبة لاستئناف المفاوضات السياسية بينها وبين السلطة الفلسطينية. وإذا كان القلق الإسرائيلي من احتمال تبني إدارة بوش الابن موقفا حازما تجاه شارون على غرار إدارة الرئيس بوش الأب قد تضاءل بعد تصريحات الرئيس الأميركي الجديد وعدد من المسؤولين في إدارته التي طالبوا فيها الزعماء العرب بإعطاء الفرصة لشارون قبل الحكم على سياسته، فإن من الصعب على الإدارة الأميركية الجديدة أن تدير ظهرها لما يجري على المسار الفلسطيني الإسرائيلي، لأن استمرار التوتر بين الجانبين ينسف الخطة العليا التي يحلم الرئيس بوش الابن بتحقيقها وهي إعادة بناء ائتلاف عربي معارض للرئيس العراقي صدام حسين، في محاولة لتكرار سيناريو ما قبل حرب الخليج الثانية قبل عشر سنوات.

ولذلك فإن الإدارة الأميركية تنظر إلى كل إجراء إسرائيلي ضد الفلسطينيين على أنه مصدر خطر على المشروع الأميركي، لأنه سيدفع بالقيادات العربية بعيدا عن أي شكل من أشكال التحالف مع أميركا. وبالتالي فإن من المتوقع أن يطلب المسؤولون الأميركيون من شارون ضبط النفس في الأشهر القادمة حتى تتمكن الإدارة الأميركية من بناء الائتلاف العربي المضاد للعراق.

أما في ما وراء ذلك من مواقف عمومية فإن الزيارة الأولى لشارون إلى واشنطن ستحمل في معالمها الكثير من الرمزية واللقاءات البروتوكولية والقليل من التركيز على المضمون، خاصة أن إدارتي بوش وشارون لا زالتا في أول المشوار، إضافة إلى أن الرئيس جورج بوش ليس من النوع الذي لديه الاستعداد لقضاء ساعات طويلة في اجتماع ما لأنه في النهاية يفضل حديثا يختصر كل النقاط في ملاحظات يدونها في نهاية اللقاء دون أن يضطر للنقاش حول كل معلومة مفصلة، ناهيك عن أن الرئيس بوش لا ينوي من الآن الدخول في متاهات الخلاف التقليدي الدائر بين أركان إدارته بشأن الموقف من إسرائيل. ويقال إن المسؤولين في وزارة الدفاع هم في العادة من الصقور المؤيدين لإسرائيل دون حدود والمتحمسين لكل أشكال العلاقة الاستراتيجية معها، في حين يتخذ مسؤولون في وزارة الخارجية موقفا أكثر اعتدالا في الأمر وينظرون بالكثير من التفهم إلى الموقف الفلسطيني.

المصدر : الجزيرة