عراقيون يتظاهرون في بغداد احتجاجا على الغارات الأميركية
توعد العراق بالانتقام بسبب الغارات الجوية الأميركية البريطانية على أهداف قرب العاصمة بغداد أمس، والتي أدت إلى مقتل شخصين وجرح عشرين آخرين. ولقيت العملية التي تشكل تصعيدا قويا في المواجهة بين واشنطن وبغداد انتقادا دوليا واسعا.

وترأس الرئيس العراقي صدام حسين السبت اجتماعا لمجلس قيادة الثورة وللقيادة القطرية لحزب البعث الحاكم. وقالت وكالة الأنباء العراقية إن الاجتماع كان لمتابعة ما وصفته بـ "التدابير العسكرية التي ينبغي القيام بها للرد على الولايات المتحدة وعلى من يقدم لها التسهيلات في حال تكرار العدوان".

وأعلنت القيادة العراقية أنها مصممة على مواجهة الولايات المتحدة، ووصف بيان صدر عقب الاجتماع الهجوم بأنه مؤامرة صهيونية. وأضاف البيان "سنقاتلهم في الجو والبر والبحر، وإن اعتداءهم سيبوء بالفشل". وألقى البيان باللائمة على السعودية والكويت، لتوفيرهما قواعد الانطلاق للمقاتلات الأميركية والبريطانية.

وقالت صحيفة القادسية الناطقة باسم القوات المسلحة العراقية إن "الجريمة الجديدة لن تمر دون عقاب حاسم رادع للمعتدين الأميركيين البغاة، وتلقين الإدارة الأميركية- الصهيونية الجديدة القديمة درسا جديدا في الصمود والجهاد، وردع العدوان وكسر ظهر المعتدين". وقد حذت كل الصحف العراقية حذو القادسية في التنديد بالعملية التي قالت السلطات العراقية إنها أسفرت عن سقوط قتيلين وعشرين جريحا, دون أن تذكر أي تفاصيل عن المواقع التي استهدفت مكتفية بالقول إنها تقع في ضواحي بغداد.

وقالت صحيفة الجمهورية العراقية إن التفسير الوحيد لهذا العدوان هو محاولة واشنطن الإبقاء على الحصار، ووقف الدعم الدولي المتزايد لحق العراق في رفع الحصار، وصرف الانتباه عن حملة التقتيل التي تستهدف الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

ودعا مسؤول عراقي إلى ضرب المصالح الأميركية والبريطانية في العالم العربي، ورفض استقبال وزير الخارجية الأميركي كولن باول الذي يقوم الأسبوع المقبل بجولة تشمل عددا من البلدان العربية.

وقال الأمين العام لمؤتمر القوى الشعبية العربية العراقي سعد قاسم حمودي إن "الرد الشعبي العربي ينبغي أن يكون بمستوى التحدي والصلف الأميركي الصهيوني، وبمستوى المسؤولية التاريخية لدحر المؤامرة وإسقاط مراهناتها الشريرة".

وخرج الآلاف من العراقيين والفلسطينيين المقيمين في بغداد إلى الشوارع في مظاهرات تنديد بالغارات الأميركية. وأحرقوا العلمين الأميركي والإسرائيلي.

 

أحد المصابين في الغارات
وكانت وزارة الدفاع الأميركية قد أكدت أن الغارات التي شنتها حوالي خمسين طائرة أمس استهدفت عددا من مواقع القيادة والرادار شمال خط العرض 33، وتبعد ما بين تسعة كيلومترات وثلاثين كيلومترا عن بغداد. وبررت لندن وواشنطن هذا القصف بزيادة عمليات الدفاع الجوي العراقية. وقال البنتاغون إن الغارات جاءت "في أعقاب زيادة وتيرة الدفاعات الجوية العراقية المضادة للطائرات وتقدم تقنيتها".

واعتبر الرئيس الأميركي جورج بوش القصف الذي وقع للمرة الأولى منذ عامين خارج خط العرض 33، عملية روتينية تهدف إلى تأمين حماية أفضل لمنطقتي الحظر الجوي, ملمحا إلى أنه مستعد للسماح بضربات أخرى من هذا النوع عند الضرورة.

وتبع بوش في ذلك رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي قال إن بريطانيا مستعدة لإصدار الإذن بتنفيذ مزيد من الإجراءات ضد العراق إذا واصل الرئيس العراقي صدام حسين مهاجمة الطائرات البريطانية. وأكد بلير أنه سيواصل "اتخاذ ما يلزم من خطوات لحماية القوات البريطانية، ومنع صدام من إشاعة الفوضى والمعاناة والموت مرة أخرى" على حد تعبيره.

تنديد دولي واسع

عصمت عبد المجيد
في هذه الأثناء لقي الهجوم الأميركي البريطاني تنديدا وانتقادا عالميين على نطاق واسع. فقد أدان الأمين العام لجامعة الدول العربية عصمت عبد المجيد الهجوم واعتبره "غير مبرر"، ودعا إلى احترام السيادة العراقية. وأضاف عبد المجيد في بيان صحفي أن "هذا القصف الذي سقط من جرائه عدد من المواطنين الأبرياء ليس له ما يبرره، وجاء مخالفا لقرارات الشرعية الدولية، وقواعد القانون الدولي". وأكد البيان أن القصف "أثار مشاعر الغضب والاستياء في العالم العربي".

وفي الأردن أعرب وزير الخارجية عبد الإله الخطيب عن معارضة بلاده لاستخدام القوة ضد العراق. وأعلن وزير الخارجية السوري فاروق الشرع في أعقاب مباحثات مع الموفد الروسي الخاص ألكسندر سلطانوف أن دمشق وموسكو متفقتان على "أن الضربات لن تأتي بنتائج إيجابية". من جانبه قال سلطانوف "أعتقد أننا نشارك الموقف السوري بأن الضربات لن تأتي بأي نتيجة إيجابية, بالعكس من الضروري إيجاد حل سياسي، ونعتبر أن الخطوة الأولى بهذا الاتجاه ستكون الحوار بين العراق والأمين العام للأمم المتحدة نهاية هذا الشهر".

وكانت موسكو قد أدانت الهجمات، واتهم مسؤول روسي في وزارة الدفاع الروسية الإدارة الأميركية الجديدة بتجاهل الأعراف الإنسانية الدولية. وقال إن ما قامت به الولايات المتحدة يشكل تهديدا للأمن والمجتمع الدوليين. 

وأدانت الجزائر الهجوم وقال وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بلخادم "إن الجزائر لا يمكن أن تقبل باستمرار هذه الغارات على أشقائنا في العراق". وأضاف "نعبر عن إدانتنا الواضحة للقصف الذي تعرض له العراق، والذي يشكل انتهاكا للشرعية الدولية".

وفي باريس أعلن ناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية أن بلاده لم تبلغ مسبقا بالغارات الأميركية البريطانية على العراق. وأضاف الناطق أن الغارات تثير التساؤل. وفي ثاني بيان يصدر خلال أقل من 24 ساعة ويتسم بلهجة متشددة اعتبرت وزارة الخارجية الفرنسية "أن هذه العمليات تتسبب في استمرار التوتر، الذي يعيق التوصل إلى حل للمشكلة العراقية". وذكرت الوزارة بأن باريس أبدت "استغرابها وقلقها من الضربات الجوية المتكررة التي تقوم بها الطائرات الأميركية والبريطانية".

وفي تركيا أعرب رئيس الوزراء التركي بولنت أجاويد عن أسفه للغارات الأميركية والبريطانية، ودعا واشنطن إلى المزيد من التشاور مع تركيا حول السياسة العراقية.

وأكد أجاويد أن قاعدة إنجرليك في جنوب تركيا التي تراقب منها طائرات أميركية وبريطانية منطقة الحظر الجوي شمال العراق لم تستخدم في الغارات.

 وقد أدانت الصين الغارات الجوية على بغداد، واعتبرتها انتهاكا لسيادة العراق. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية إن الصين تدين الغارات الجوية على العراق، وعبر عن أسف بلاده الشديد لمقتل وإصابة مدنيين أبرياء نتيجة هذا العمل.

 من جهة أخرى دافع رئيس الوزراء الكندي جان كريتيان عن الغارات الجوية قائلا إنها كانت ضرورية لتعزيز منطقتي الحظر الجوي اللتين يفرضهما الغرب شمال وجنوب العراق. ويعتبر الموقف الكندي من المواقف النادرة التي أيدت الغارات الأميركية بجانب بريطانيا وإسرائيل.

وقال نائب وزير الدفاع الإسرائيلي إفرايم سنيه إن إسرائيل لا تواجه أي تهديد مباشر من العراق. وأكد أن ذلك لا يعني تجاهل ما أسماه مساعي العراق لبناء قدراته العسكرية. من جانبه قال العضو العربي في الكنيست الإسرائيلي أحمد الطيبي إن الضربات مهينة لكل العرب واصفا إياها بالهجوم الوحشي. كما انتقد الطيبي الأنظمة العربية التي فشلت في وقف هذا الإذلال على حد تعبيره.

ودأبت الولايات المتحدة وبريطانيا على شن غارات على العراق في إطار ما عرف بمناطق الحظر المفروضة شمال البلاد وجنوبها منذ انتهاء حرب الخليج عام 1991، لكنها المرة الأولى التي تهاجم فيها بغداد منذ عامين.

يذكر أن آخر هجوم جوي تعرضت له العاصمة العراقية وقع في ديسمبر/كانون الأول 1998. وتشير إحصاءات إلى أن نحو 323 عراقيا قتلوا، وجرح أكثر من 957 في الغارات الأميركية البريطانية، منذ عملية ثعلب الصحراء عام 1998.

المصدر : وكالات