تجذّر فيَّ أكثر!
آخر تحديث: 2018/8/9 الساعة 14:51 (مكة المكرمة) الموافق 1439/11/28 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2018/8/9 الساعة 14:51 (مكة المكرمة) الموافق 1439/11/28 هـ

تجذّر فيَّ أكثر!

لا تغادر صدري يا صغيري، وتجذّر فيّ أكثر! فأنا امتداد لهذا التراب، وحين أشم عبيره في أنفاسك أشتاق لضمك أكثر.

لن تخيفني الزنزانة وإن ضاقت حتى اعتصار العروق، لن ترهقني العتمة وإن سكنت عيني، فأنا أراك نورا يتفتح فيّ، ويهديني الصبر زهرا ينبت في كل الشقوق.. كلما قطفته يد الظلم عاد إلي وأزهر. ضمني إليك يا صغيري، وتجذر في أكثر!

لن يكسرني سجاني، وقلمي مداده دمي، طريا سيتدفق رغما عن الجلاد، وسيغمر صفحاتي راسما لقدميك الصغيرتين الطريق، فلا تبال يا صغيري إن أشرقت شمس لم تحمل لك قبلاتي، أو أغمضت عينيك قبل أن أغمرك بدفء حكاياتي، فأنا من حولك وإن لم ترني، أخيط لك ثوب الفجر بكفي صمودي، كي لا تنحني لمعاول الغزاة والطغاة، وكي لا ينثني غصن كرامتك للريح فيتكسر!

إن أمطر الله التراب الميت أثمر، وإن مد الصابرين بنصره أبهر، ضمني إليك يا صغيري وتذكر، ضمني إليك وتجذر في أكثر!

هي لمى خاطر.. قلم يتوهج في كفٍ تعشق الحرية، قلب ينبض بإيقاع التراب المفجوع بأهله، وروح تتوق لحكايات الفجر، همس غيمة أرهقتها المسافات، وتعنت بالشوق وهي تحمل في رحمها قطرات حياة.

لمى خاطر.. بقلمها الحر من خلف القضبان تدفع ثمن صمت أمة تتقطع أوصالها، وتنتهك جهارا حرماتها، تدفع ثمن كلمة حق لا تفتأ ترددها على سمع الكون وتقاوم المحتل بها، لمى خاطر لم تطلق رصاصا على أحد، وأطلقت الكلمات من رحم الصدق لتكبر على كف الحقيقة وتشهد بها، رفعت هامتها في زمن تعفّرت به هامات الكثير من الرجال بغبار أحذية الغزاة، واختاروا طائعين الانحناء، وفي ظنهم أن الغزاة يحفظون عهد السماسرة والعملاء!

هي غنت بأبجدية المقاومة للمدينة العتيقة، للسور الملتف كعقد من ياسمين، يطوق المسجد الحزين، هي غرفت بيد الصبر حكايات جادت بها جبال الخليل العنيدة، وروت بها عروق صفحاتها، لتنبت حروفها بذاكرة من لهب، تشتعل في وجه الغاصب وجنود التنسيق الأمني، تعري أذيال المحتل والمؤتمرين بأمره، وترسم تاريخ التراب الحر، والمآذن التي لا تنفك تستصرخ الآيات والضمائر.

هي حبة في عقد طوق إنسانية عجزت أن تحمل ملامحها، فاستعارت ملامح الطغاة وبطشت بأيديهم، ولم تبق منها سوى كلمات تتشدق بها على موائد الغزاة! هذا العقد تراصت حباته بنساء حملن جمر المقاومة منذ احتضار الكبرياء على حدود الرحيل القسري، وبين أنفاس القمع بيد المحتل، وبيد الشقيق الذي غير اتجاه البندقية، وتنكر لذاكرة التراب.

نساء فلسطين حملن الوعد نارا أحرقن بها تضاريس مؤامرة ممتدة، يعمل العالم المتناقض على فرضها على ترابنا وأرواحنا، هن اللواتي أودعن قطعا من القلب الثرى، وهتفن لحرية الأرض وهن يزرعن الدم بذور عشق في حضن التراب.

هن اللواتي يرابطن في البيوت، وفي الشوارع، وفي باحات الأقصى، وعند انسحاب خيوط الشمس لحظة الغياب، يهبن الوطن إرادة لا تعتصرها الأغلال وإن حفرت في المعصم جنونها، ولا تنكمش ذلا أمام رصاص المحتل ولا خلف القضبان، وهن اللواتي يغنين أغنيات البطولة ليصنع في المهد الرجال.

المرأة الفلسطينية أرهقت بصبرها عدوها، وأزهرت في كف المقاومة تضحياتها.. بدمها وكلماتها رسمت أقصر الطرق للقدس، وحملت إرث الثورة طائعة ودفعت مستحقاتها.

لمى خاطر تواجه بقلمها الزيف الذي ترسمه السلطة بمزيد من التنازلات، تقاوم الصمت بصراخ الأبجدية، كي لا تستسلم حروف الذاكرة للصفقات المشبوهة، على طاولات من فقد ملامح عروبته، وارتدى عباءة الذل راضيا، وفي وحل الخيانة غاصت هامته، وغادرته بلا أسف أطياف الكرامة.

هو رباط بالقلم، تمارسه كثير من نساء فلسطين اللواتي يعملن من خلال مؤسساتهن الإعلامية، أو بجهد فردي عبر التغطية الصحفية، أو من خلال مواقع التواصل التي لا تنفك تفضح ممارسات الاحتلال، وأبواقه، وسياطه من أبناء جلدتنا.

هو رباط تعرف المرأة جيدا أنه قد ينتهي بالأغلال، وبفراق الأحبة خلف القضبان، وقد ينتهي برصاص آثم يستقر في الجسد ليغادره الدفء، ويتوقف فيه النبض وارتعاش الكلام.. غير أنها فلسطين! تعيش حرة في عروق أبنائها، وعلى كف الطفل الصغير وهو يواجه قسوة المحتل ووحشيته. 

هي فلسطين، ترويدة شوق للرحيل صوب زمن تتحرر في المآذن والباحات والأسواق التي هجرت أفراحها، فما عادت تضحك أبوابها، وصار باكيا في أفواهها التسبيح.

هي فلسطين، أم الحكايات، ورعشة البدايات، ووطن لشمس هجرت قصرا، واعتقلت العتمة خيوطها، كي تنسى ملامحها، حين يطول ليلها، وتسكت الأصوات التي تصفها، فتفقد ذاكرة ضيائها وحضورها في وطن لا يزال ينتظرها.

أمهات فلسطين لا يزغردن لرحيل الشهداء، بل أملا في اللقاء، وأخواتنا من خلف القضبان يرسمن بكف الصبر ملامح غدنا، جراح أرواحهن تنزف من عروق صغارهن ومن عروق انتظارنا، غير أن الصغير يكبر بتلك الجراح، ويحفظ ملامح عدوه جيدا، ويحفظ خريطة حريته وعودته، كما يحفظ الطريق لقضبان أمه.

لن يكسره الفراق، ولن يمزقه الشوق على أعتاب الفقد، سيصرخ بها، بحروفه المتعثرة، وكفه المحدقة بالجدران العالية البكماء، كما فعل طفل لمى خاطر وهو يواجه منعه من رؤية أمه، أو احتضانها في قاعة محكمة الغزاة، وستعبر الكون كلماته الصغيرة على أجنحة وجع سينتفض في صدور كل الأمهات، ليتساقط غبار الصمت بالثائر من الكلمات، فالفجر رغم العتمة، رغم نفاد صبر المنتظرين آت، وصغير يلقي لأمه من بعيد بحروفه، لتتجاوز الجنود المدججين بالسلاح، لتتجاوز الجدران والقضبان، وقهر المسافة: "إلى اللقاء أمي".

وحتما يا صغيري هناك لقاء، ستظل على خدك طرية قبلاتها، وستعرف كفك الصغيرة كي تمسح من على السطوح الطاهرة غبار العابرين وهم بلا دمع يرحلون، في صدورهم الخواء، وعلى وجوههم الكالحة ملامح لا تشبه ترابك، جاؤوا لأرضك غرباء، وسيرحلون عنها غرباء.

ولنا يا رفيقة الحرف في قدسنا لقاء..

المصدر : الجزيرة