غزة في الطليعة دائما
آخر تحديث: 2018/6/13 الساعة 16:01 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/28 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/13 الساعة 16:01 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/28 هـ

غزة في الطليعة دائما

غزة هي الفرس العربية الأصيلة التي تتقدم في ميدان المواجهة، في حين خيول عربية كثيرة يخامرها النعاس فتخلد إلى النوم في غابة الصمت، وحين تصحو على حمحمات غزة التي تصول وتجول ترفع تلك الخيول المتثائبة الرأس منزعجة ممن يقلق راحتها، ثم لا تلبث أن تغط في نوم عميق.

غزة هي فرس اللا أحد في غياب الفرسان وفي كل جولة وصولة لا تقبل أن يمتطي صهوتها أحد إلا فارس غزي شجاع غير آبه بغطرسة احتلال أو مذعن لحصار اشتد وطال.

غزة البطلة هي ما تبقى لنا من كرامة وشهامة وعزة، لولاها لضعنا في خبر كان ولضاعت قضيتنا العادلة، قضية فلسطين، ولأصبح حق العودة نكتة سياسية سخيفة لا وزن لها ولا تلفت انتباه أحد لا في الشرق ولا في الغرب، فلولا مقاومة غزة وإرادتها الصلبة وقدرتها الأسطورية على الاحتمال والصمود تحت وطأة الحصار لكان باب الشرق الأوسط مفتوحا على مصراعيه لصفقة القرن، ولكان هناك على الباب حارس عربي متصهين يؤدي لها التحية.

الكيان الصهيوني الممتلئ حقدا على غزة وأهلها لم يدعها وشأنها فحتى لا تنهض غزة وتزداد قوة وتحديا للاحتلال فرض عليها حصارا طويل الأمد

حصار طويل
عودتنا غزة على أن تكون في الطليعة دائما، وعلى أن تظل رأس حربة جريئة في أي مواجهة مع قوى العدوان والاحتلال البغيض، فعندما كان جيش الاحتلال الصهيوني يحكم قبضته على قطاع غزة بالكامل كان يلقى مقاومة شديدة وباسلة شهد لها أكثر من عسكري صهيوني مغلوب على أمره ومذعور حتى أن إسحق رابين الملطخة يداه بالدم الفلسطيني وصف قطاع غزة آنذاك بعش الدبابير، ومنذ ذلك الوقت العصيب والعصي على الاحتلال أخذ العدو المحتل يعد العدة للانسحاب من القطاع بأكمله مدحورا ومكسور الإرادة، وهكذا كان حيث خرج بلا خفي حنين جارا معه خيبته ومفككا مستوطناته ضاربا بينه وبين غزة سياجا حدوديا ورافعا اسمها من قائمة احتلاله السوداء للأراضي العربية
.

ولكن الكيان الصهيوني الممتلئ حقدا على غزة وأهلها لم يدعها وشأنها فحتى لا تنهض غزة وتزداد قوة وتحديا للاحتلال فرض عليها حصارا طويل الأمد لم يشهد له تاريخ الحصارات مثيلا على مدى العصور، إذ لم نقرأ في تاريخ البشرية حصارا عسكريا دام أكثر من عشر سنوات، وتخلله أكثر من حرب عدوانية مدمرة وشرسة أوقعت العديد من الضحايا ودمرت العديد من البيوت والمنشآت بما فيها المدارس والمستشفيات كما حصل لغزة وقطاعها المنكوب في كل مرة.

غير أن غزة الصابرة المؤمنة والصامدة ظلت في الميدان تعصب جراحها بيدها وتقاوم، تكر ولا تفر أبدا، وترد للعدو الصاع صاعين، ورغم الصمم المطبق على سمع العالم -بما في ذلك جهات عربية غير مكترثة أو مبالية- لم تعدم غزة من يناصرها ويساعدها على تضميد جراحها وانتشال أهاليها من الدمار والحصار والجوع والحرمان، حيث سعت أكثر من سفينة حرية لكسر الحصار وعليها نخب من أحرار العالم المتعاطفين مع أهل غزة المحاصرين والمهددين في أي لحظة بعدوان جديد.

غزة التي لا تعرف الضعف أو التراجع أو التردد في الدفاع عن الثوابت والحقوق اعتادت أن تخرج من كل حرب تشن عليها أقوى مما كانت

غزة أقوى
وعلى الرغم من تخاذل ولا مبالاة أكثر من جهة عربية بالحصار وبالعدوان الصهيوني المتكرر وإلى درجة لا تزيل الشبهة بالتواطؤ العلني معه ومع من يقوم به بحقد ودهاء لا يوصف وجدت غزة من العرب الشرفاء من هب لنجدتها وإعانة أهلها على الخروج من حالة الدمار وشراسة الحصار ليجدوا فرصة للعيش الكريم بعزة وكرامة وإباء، ودون أدنى اضطرار لرضوخ أو استسلام أو شعور بخيبة أمل، حيث ظل لدى غزة وأهلها شعور ملازم لم يتطرق له يأس بأن الخير لم يمت في هذه الأمة المحتسبة الصابرة، وبأن الخير فيها باق إلى يوم القيامة
.

إن تعاطف أحرار العالم مع قطاع غزة المحاصر والمهدد بعدوان مستمر، ووقوف بعض العرب من شرفاء الأمة مع أهالي القطاع ومساعدتهم لهم على الصمود وتحدي الحرمان والجوع في سنوات الحصار قد قوى -ولا شك- عزيمة غزة وأعانها على تحدي الحصار وتفريغه إلى حد ما من أهدافه الشريرة وغاياته الماكرة المبيتة.

غزة التي لا تعرف الضعف أو التراجع أو التردد في الدفاع عن الثوابت والحقوق اعتادت أن تخرج من كل حرب تشن عليها أقوى مما كانت وأصلب إرادة وعزيمة وأكثر تحديا للحصار وزبانيته وسماسرته وأعوانه من متصهيني هذا العصر في الغرب والشرق على اختلاف أصولهم وتعدد جنسياتهم.

ها هي غزة الشهامة والشجاعة والعزة وهي تبدو في عنفوان مقاومتها وتفوقها على قهر الحصار تتقدم في بسالة وشرف، لتتوج رأسها بمليونية القدس

نحو القدس
ها هي غزة تصول وتجول.. تنصب خيام العودة على السياج الحدودي لأرض فلسطين المحتلة عام 48 وتخرج في مسيرات متواصلة ومستمرة تعيد لحق العودة حياة جديدة وتخرجه من أدراجه المنسية في مبنى الأمم المتحدة، حيث يخرج حيا من لحده الدارس في مقبرة الصمت العالمي ليقول للعالم بلسان دم الشهداء الفصيح: أنا أيها العالم المهذب الصمت أمام العصا الصهيو-أميركية ما زلت حيا، وما صلبت على خشب الصهاينة المحتلين الذين توهموا موتي وشبه لهم صلبي، أنا الحق المشروع لشعب احتلت أرضه وشرد من وطنه على يد عصابات إرهابية صهيونية كانت قد نمت وترعرعت في حضن انتداب بريطاني دافئ، وما هذه الطائرات الورقية المشتعلة والبالونات الحارقة إلا ألسنة نار في غاية الفصاحة تنطق باسمي لتقول لكم يا من جعلتم غزة تعاني من جحيم الحصار: إن جحيمكم إليكم قادم، والعودة إلى الديار المحتلة حقها ثابت وقائم، وإن خلف هذا الليل الظالم لبشرى فجر باسم
.

وها هي غزة الشهامة والشجاعة والعزة وهي تبدو في عنفوان مقاومتها وتفوقها على قهر الحصار تتقدم في بسالة وشرف، لتتوج رأسها بمليونية القدس التي عمت الشرق والغرب صوتا وصورة متخطية الصفوف لتحوز على كأس السباق نحو القدس العاصمة المقدسة والمباركة لفلسطين رغم أنف المحتلين ورغم كل العازفين على وتر الصهيونية اللعين.

ها هي غزة أم التضحيات والتحديات تضيف إلى قائمة شهداء مسيرة العودة شهداء جددا وتسعف بعد آلاف من الجرحى مئات المصابين الجدد غير مبالية أو باكية، وإن غامت جراحها ودمعت دماؤها فلا يحسبن أحد أن غزة الإباء والفداء تبكي على حالها أو حال أبنائها، وإنما هي دموع حزن على حال العرب والمسلمين الذين لم تقم لهم قائمة أو قيامة دنيوية على الأرض يمكن أن تنبعث فيها عزائم الدول والشعوب لتعيد إلى القدس عروبتها وإسلاميتها وهويتها الفلسطينية المصادرة وتجعل حصار غزة شيئا من الماضي الذي لا يعود، وحتى تتحقق المعجزة العربية الإسلامية ستبقى غزة بكل جراحها ودماء شهدائها وبسالة مجاهديها الناطق الأول والأخير باسم ملايين الفلسطينيين القابضين على مفاتيح بيوتهم المحتلة والمصرين على حق العودة طال زمن النفي والحصار أم قصر.

المصدر : الجزيرة