القدس في مظاهرات الأردن

القدس في مظاهرات الأردن

رمضان انتهى، وها هو العيد.. القدس لم تذهب للسوق ولم تشتر ملابس جديدة! أخرجت صناديقها العتيقة وعاينت تاريخا مليئا بالمزركشات، مليئا بالبطولة، حضنته ونامت دقيقتين دافئة هانئة مبتسمة وهي تحلم بفك القيد.

كل عام وأنتِ بخير أيتها القدس الشقية.. تشقين من مسؤول عربي ما زال يرى نفسه أكبر منك، لأنه خلق وعاش أميا في الأخلاق، وأميا في الحكم، وأميا في التعامل مع الدم العربي، بينما القدس تستعصي على الجبابرة، يظن الفارس على جواد من خشب أنه يقرر مصيرها!

كل عام وأنت بخير أيتها القدس المتعبة.. تتعبين بحاكم عربي يظنك إحدى محظياته، يواعدك ليلا ويفضحك نهارا، وهو الفاشل ابن الفاشلين الذين استولوا على الحكم بالغزوات وسرقة الشياه والجمال والنساء الأرامل!

جيل القدس
من رأى شباب الأردن وهم يتدفقون بتلقائية إلى الشوارع، يعلم أن القدس ستكون بخير.. سيسأل سائل وأكثر: ما علاقة هذا بذاك؟ كيف تستقيم ثورة الشباب البيضاء على حكومتهم المستبدة بشأن قانون ضريبة الدخل مع حالة سياسية معقدة كالقدس؟ ولأنني أعلم أن الجيل الذي خرج إلى الشوارع في الأردن وقعد لحكومته كل مرصد، هو جزء من جيل القدس، هو ذات الجيل الذي لن يسكت لظالم ولن يساوم مع بائع ولن يفاصل مع مشتر!

من رأى الجماهير الهادرة في الأردن وهي تزحف إلى الدوار الرابع كل ليلة لتسقط الطغمة الفاسدة وهي تحمل القدس بقلبها وتعلن أنها لن تتنازل عنها بأي صفقة كانت؛ يدرك أن هذا الجيل لا حل معه إلا الشفافية والوضوح!

كنت في وسط المظاهرات بالأردن.. شباب يهتفون، وشباب يرددون خلفهم، وشباب يتناقشون ويتحاورون.. أرخيت أذني لكل ما استطعت أن أسترق السمع له.. يقولون القدس بالفم الملآن، يتحدون صفقة القرن "عيني عينك"، يقولون إن تجويعهم مقصود كي يبصموا على بياض للحل القادم، يتهمون الصغير والكبير من الماشين في ركاب أميركا وإسرائيل ويعلنون أنهم لن يسمحوا لدول بعينها أن تنجح في تجويعهم، ولن يوافقوا لحكومة على لمس مستقبلهم، وفي الوقت ذاته لن يطأطئوا رؤوسهم لتمرير شيء من صفقة القرن هذه، ولن يمس القدس مكروه من قبلهم!

سمعتهم بنفسي وهم يتأججون نارا.. رأيت فيهم كل أشكال التحدي والانتصار.. إنهم ليسوا من جيلي أنا الذي اتخذ القدس شعارا على الورق، بل إنهم من جيل تعلم من هزائمنا وتعلم كيف لا يقبل إلا بالأفعال! هذا الجيل الثوري أحسن مني ومنكم.. جيل لم يتلوث بالانتظار الكاذب مثلنا.. جيل سرقنا منه كل شيء ورميناه في الشوارع يلاطم مصيره، وها هو في الشارع، وسترون ما يفعل بالشارع ابن الشارع!

جيل الوضوح
صدقوني من رأى الجماهير الهادرة في الأردن وهي تزحف إلى الدوار الرابع كل ليلة لتسقط الطغمة الفاسدة، وهي تحمل القدس بقلبها وتعلن أنها لن تتنازل عنها بأي صفقة كانت؛ يدرك تمام الإدراك أن هذا الجيل لا حل معه إلا الشفافية والوضوح! ومن يمارس معه التعمية والتذاكي سيخسر وقته ومهابته وصلاحياته في الحكم أيضا!

كل عام وأنت بخير أيتها القدس المعطاءة التي أعطيت شوارع الأردن وقت الجوع قيمة أكبر، فصار شبابها العاطلون عن العمل والمسكونون بالخوف عليك يلهجون باسمك مع كل نقاش.. صاروا يعلمون أن مصيرهم معلق بك مهما امتد الشوط وطال! فقد سمعتهم يقولون: نموت نموت وتحيا القدس!

من ألقى نظرة ممعنة على الخارجين إلى الشوارع قرب الرابع وغير الرابع سيدرك أية ثقافة يحمل هؤلاء.. ليسوا جهلة وليسوا من الإمّعات الذين يركبون ذيول الأشياء، بل إنك حين تنصهر بهم تشعر كم هم مولعون بالسياسة، وكم هم يدركون ألاعيبها حتى لو اختلفت معهم.

ينادون بسحب القانون وعينهم على القدس.. يهتفون ضد الفاسدين وقلوبهم على القدس.. يطالبون بعلاج مرضى السرطان والقدس بوصلتهم.. يتجمهرون لإلغاء ارتفاع الأسعار والقدس لم تنزل من مقام حديثهم.. فمهما قال القائلون بأن الجماهير خرجت في الأردن من أجل قانون الضريبة ومن أجل الأسعار، فإنها في الحقيقة خرجت من أجل رفض التجويع المرتبط بالموافقة على التنازل عن القدس.. أسقطوا حكومتهم وقانونها وسيسقطون المساس بالقدس بأي صفقة كانت!

هذا جيل التمرد على كل فعل سياسي فاضح يريد أن يسلم البلاد والعباد لحصاد الأعداء

معجزة دائمة
كل عام وأنت بخير أيتها القدس، أيتها البهية النقية، وأنت تدوسين على الكبار الذين ما كبروا إلا على أكتافك.. أيتها المعجزة الدائمة، وأنت تنثرين معنوياتك على جماهير العرب وهم يطوفون بها الشوارع ليتصارعوا بها مع حكوماتهم، يخسرونها جولات الاستبداد والتعنت!

القدس الآن تعرف أن لديها جيلا مخبوءا في كل دولة عربية سيثأر لها وسيكون إلى جانب المقدسيين في كل أنفاسهم، يرتل معهم ألحان المقاومة لكل حاكم عربي أراد أن يستخف قومه فما أطاعوه، لأن هذا الجيل جيل التمرد على كل فعل سياسي فاضح يريد أن يسلم البلاد والعباد لحصاد الأعداء.

كل عام وأنت بخير أيتها القدس العربية الباقية، فأنت الباقية في زعترنا الصباحي، وفي شاينا المسائي، وفي لهاثنا ونحن نركض نحو لقمة الخبز! أنت الباقية في حقائب أطفالنا المدرسية وهم يمشون في الشوارع كي يكبروا ويأتوا إليك خفافا وثقالا.. أنت الباقية في كل حراك أردني يسقط حكومة باسم الجوع، والجوع هو أنت.. تسقط الحكومات وتبقى القدس أمّ الباقين كلهم.

كل عام وأنت الخير.. يا قدس.

المصدر : الجزيرة