الإعدام.. أولى مراحل تعذيب الشهيد وذويه
آخر تحديث: 2018/2/9 الساعة 13:27 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/23 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/9 الساعة 13:27 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/23 هـ

الإعدام.. أولى مراحل تعذيب الشهيد وذويه

ذوو الشهداء يجزمون بأن إجراءات الاحتلال ضد جثامين الشهداء هدفها إخفاء معالم الجريمة (الجزيرة)
ذوو الشهداء يجزمون بأن إجراءات الاحتلال ضد جثامين الشهداء هدفها إخفاء معالم الجريمة (الجزيرة)
أسيل جندي-القدس

من اللحظة التي يُعلن فيها ارتقاء شهيد جديد في القدس المحتلة تلتئم أذرع الاحتلال المختلفة لرسم عقوبات ضد الشهيد وعائلته، يكاد يكون نبأ إعدام الابن أبسطها؛ إذ تحاول مؤسسات الاحتلال التضييق على عائلات الشهداء بكل ما أوتيت من قوة، اعتقادا منها بأن ذلك يردع الشبان عن القيام بعمليات فدائية.

يعد الإعدام دون محاكمة أول الانتهاكات التي يتعرض لها الشهداء، حيث تسارع قوات الاحتلال لإطلاق النار عليهم بهدف القتل الفوري دون محاولة تحييدهم واعتقالهم تمهيدا لتقديمهم للمحاكمة.

وبعيد ارتقاء الشهيد يوضع في كيس بلاستيكي ويختطف جثمانه فورا بدل تسليمه لذويه لتشييعه ودفنه، وبهذا تبدأ رحلة عذاب يجمع أهالي الشهداء على أنها أقسى من حادثة الاستشهاد نفسها.

جثث مكدسة
وتحتجز جثامين الشهداء دون إخطار عائلاتهم بمكان الاحتجاز، لكنهم ينقلون عادة لمعهد الطب الشرعي "أبو كبير" بمدينة تل أبيب، وفي بعض الحالات لمقابر الأرقام، ولا يتسنى للأهالي معاينة جثث أبنائهم، كما أنهم لا يتلقون أي تقرير طبي أو شُرطي موثق بأن القتل تم بالفعل، وهذا أدى إلى حدوث بلبلة في الحالات التي لم تنتشر لها صور أو مقطع فيديو يوثق الاستشهاد.

هدم منازل الشهداء وعائلاتهم من بين الإجراءات العقابية وفي الصورة منزل الشهيد المقدسي غسان أبو جمل (الجزيرة)

وعن ظروف الاحتجاز في ثلاجات "أبو كبير"، قال المحامي المقدسي محمد عليان والد الشهيد بهاء عليان إن ظروف الاحتجاز التي تخضع لها جثامين الشهداء مخالفة للقوانين الدولية والإنسانية والتعاليم الدينية، إذ يكدس الشهداء فوق بعضهم البعض في ثلاجات تصل درجة حرارتها لخمسين درجة مئوية تحت الصفر دون مراعاة لفصل الإناث عن الذكور، ودون أدنى اعتبار لوضعية الجثمان فقد يكون بالثلاجة في وضعية الوقوف أو النوم.

 وحسب عليان، فإن بعض الشهداء الفلسطينيين دفنوا بينما تعلو أجسامهم طبقة تتجاوز خمسة سنتيمترات من الثلج، وأضاف "قال لي والد أحد الشهداء إنهم اضطروا لسكب 150 دلوا من الماء الساخن على جثمان ابنه ليتمكنوا من إذابة الجليد عنه وإدخاله القبر".

الانتهاك الأخير الذي يسجل بحق الشهيد المقدسي هو أنه لا يحصل على التكريم الذي يستحقه عند الدفن، بدءا من تشييعه بجنازة مهيبة، مرورا بدفنه في وضح النهار، وصولا لوضع شاهد على قبره يروي قصة استشهاده أو حتى تاريخ ارتقائه.

ويعتقد المحامي عليان أن شروط الدفن التي تفرضها مخابرات الاحتلال على عائلة الشهيد والمتمثلة في دفنه في الظلام، وتحديد عدد المشيعين ومصادرة الهواتف النقالة وحصر مدة التشييع، هي جميعها تأتي لإخفاء جرائم ارتكبت بحق الجثامين في معهد أبو كبير والمتمثلة في سرقة أعضائهم.

قبر لشهيدين مقدسيين وكتبت الفاتحة على القبر بالحجارة المرصوصة (الجزيرة)

يوم تسلم الجثمان
وعاد عليان بذاكرته ليوم تسلم جثمان ابنه بهاء بعد احتجاز في الثلاجات استمر 11 شهرا، وقال "صعدت لسيارة الإسعاف لأتعرف على بهاء، وكان جسمه طريا غير مجمد، لكن كانت عيناه غائرتين جدا، ووجهه كان نحيل أيضا، وهذا ما لم أعهده بابني، فربما سرقوا قرنية عينيه، لكنني لست طبيبا لأجزم بذلك
".

ووري بهاء الثرى وبجواره خمسة شهداء مقدسيين في مقبرة المجاهدين على مقربة من باب الساهرة، أحد أبواب القدس، لكن عائلته منذ لحظة استشهاده حتى اليوم لم تسلم من الإجراءات العقابية المتتالية، التي بدأت باستدعاء والده واعتقال أشقائه، بالإضافة إلى هدم منزل العائلة، وسحب تصريح الإقامة من أمه التي تحمل هوية الضفة الغربية. وعن هذه الإجراءات وغيرها أضاف عليان "أن تكون والد شهيد يعني أن تعيش الجحيم بعينه".

ورغم مرور عام ونصف العام على دفن ابنه فإن خالد والد الشهيد المقدسي حسن مناصرة ما زال مذهولا من رباطة الجأش التي تحلى بها عندما رفض دفن ابنه بعد تسليمه له، وقرر إرجاعه للثلاجات مرة أخرى، وعن تلك الليلة قال "سلموني حسن مجمدا وتأكدت من ذلك بعد فتح الكيس وتحسس جبينه، فقلت للمخابرات التي تطوق سيارة الإسعاف: أنتم خدعتموني، أخبرتكم أنني لن أدفن ابني مجمدا، وأغلقت الكيس وأعدت حسن للثلاجات".

بعد مرور سبعة أشهر على استشهاد حسن دفن في مقبرة باب الرحمة، لكن ألم ذويه لم يدفن رغم مرور عامين ونيف على استشهاده، "مشينا بالجثمان بعد تسليمه لنا مسافة طويلة وعند مدخل المقبرة انطلقت المفرقعات من البلدة القديمة، خفف عنا هذا الموقف كثيرا، وشعرنا بأن الشبان الممنوعين من مشاركتنا بالتشييع يتضامنون معنا بإطلاق المفرقعات".

خالد مناصرة: سلموني جثمان ابني مجمدا ومشينا به مسافة طويلة حتى تم دفنه (الجزيرة)

تهديد ووعيد
استُدعي والد حسن للتحقيق في مركز تحقيق المسكوبية بعيد استشهاده، ووصلت سيارة إسعاف لفناء المركز وطُلب من خالد التعرف على جثة نجله، ثم توالت الانتهاكات باعتقال شقيقه الأكبر خمسة أشهر، وصودر من العائلة مبلغ 54 ألف شيكل (نحو 16 ألف دولار) قبل شهور بحجة تطبيق قانون "منع الإرهاب"، وعن هذا قال خالد مناصرة "كل مدخراتنا التي حصلنا عليها من عرق جبيننا أنا وابني البكر صودرت وذهبت هباء
".

"احتجاز جثمان الشهيد يتعدى الظلم إلى الظلمات". هكذا وصف عبد السلام أبو غزالة والد الشهيد المقدسي ثائر إقدام الاحتلال على احتجاز جثمان نجله، ولم يكتف بذلك، بل حوّل الوالد إلى الاعتقال الإداري في سجن النقب، وعن تلك التجربة قال إنه لم ينم طيلة فترة اعتقاله لقلقه من إقدام الاحتلال على تسليم ابنه لدفنه دون تمكنه من إلقاء نظرة الوداع عليه.

منزل أبو غزالة في بلدة كفر عقب شمال القدس مهدد بالتفجير أو الهدم بعد اقتحامه وأخذ قياساته، ووالد الشهيد يعيش قلق فقدان منزله الآن بعد فقدانه مصدر رزقه بسبب احتجازه أو اعتقاله كلما مر من حاجز قلنديا العسكري باتجاه مكان عمله.

المصدر : الجزيرة