انتفاضة عاصمة فلسطين

انتفاضة عاصمة فلسطين

رغم الأبعاد والتبعات الخطيرة لقرار الرئيس الأميركي الذي اعتبر القدس العربية عاصمة لدولة الاحتلال الصهيوني، والفيتو الأميركي الذي أشهرته مندوبة الولايات المتحدة الأميركية في وجه 14 دولة صوّتت لصالح مشروع القرار العربي الذي يدعو إلى بطلان قرار ترمب الذي جاء ضد القدس وضد شعب فلسطين وضد الأمة العربية والإسلامية كما هو ضد القانون الدولي ومجموعة القرارات الشرعية التي سبق أن اتخذتها الأمم المتحدة بشأن القدس وسائر الأراضي العربية المحتلة.

رغم هذا وذاك فإن هناك أكثر من عنصر إيجابي قد تمخض عن الموقف الأميركي المنحاز بالكامل لصالح دولة الاحتلال.

نهاية الوساطة
أول هذه العناصر الإيجابية انتهاء أحجية الوساطة الأميركية العقيمة والعصية على الفهم والشبيهة بأُحجية إبريق الزيت التي يقول راويها: هل أحكي لكم حكاية إبريق الزيت؟ فيقال له نعم، فيقول لنا سأحكي لكم حكاية إبريق الزيت، ولكنه لا يحكي شيئا ليعود ويسأل: هل أحكي لكم حكاية إبريق الزيت؟

الهبّة العارمة التي أحدثها وعد ترمب بنقل سفارة بلاده إلى القدس واعتبارها عاصمة لدولة إسرائيل المحتلة لم تأت ضمن مساحة جغرافية محدودة ومقصورة على الأرض الفلسطينية

فحكاية الوساطة الأميركية في موضوع السلام قد انتهت لتصبح بضاعة كاسدة في سوق الماضي وولت مخادعتها إلى غير رجعة، إذ لم يعد لها أي مفعول تخديري للطرف الفلسطيني المفاوض أو الذي يمكن أن يفاوض وهو معصوب العينين عن هذه الحمى الاستيطانية المنتشرة بكثافة وحرارة عالية في القدس وفي أنحاء الضفة الغربية المحتلة.

أما العنصر الإيجابي الثاني الذي برز على الفور بعد القرار الأميركي الظالم فهو الهبّة العارمة التي أحدثها وعد ترمب بنقل سفارة بلاده إلى القدس واعتبارها عاصمة لدولة إسرائيل المحتلة، هذه الهبّة لم تأت ضمن مساحة جغرافية محدودة ومقصورة على الأرض الفلسطينية هذه المرة، بل جاءت مساحتها على طول وعرض العالم بمختلف الدول والعواصم التي عبرت عن رفضها لهذا القرار الأميركي المنحاز، وأعلنت تأييدها للحق الفلسطيني ولحل الدولتين الذي ينص مشروعه الواضح على إقامة دولة فلسطينية بعد انسحاب جيش الاحتلال الصهيوني إلى حدود الرابع من يونيو/حزيران، ويشترط أن تكون القدس العربية عاصمة لهذه الدولة الفلسطينية المنشودة.

الهدف المنشود
صحيح أن الموقف الأميركي الجائر سيشجع دولة الاحتلال والاستيطان على التمادي والتوسع في حملاتها الاستيطانية والتهويدية للقدس خاصة ولأراضي الضفة الغربية عموما، ولكنه في الوقت نفسه سيدفع الفلسطينيين الصامدين –وقد فعل- إلى القيام بانتفاضة شعبية كبيرة وعارمة لا تتناقض مع القيادة الفلسطينية الممثلة بالسلطة، بل ستكون على انسجام معها ومع موقفها الوطني الثابت من الخطوة الأميركية الهوجاء والمتنكرة لأدنى المطالب الفلسطينية، وها هي انتفاضة الشعب الفلسطيني قد قامت ولن تقعد انتصارا للقدس، وأصبح من الجدير بها أن نطلق عليها اسم "انتفاضة عاصمة فلسطين"، فهذا هو هدفها المنشود، والقدس كما كانت دائما في الانتفاضات السابقة محورها الرئيسي ومحركها الفاعل لصمود كبير وإنجازات جديدة ستتحقق بإذن الله على أرض الواقع
.

ما جرى بعد قرار الرئيس الأميركي ترمب من تحركٍ عربي جاد وفوري على الصعيدين الرسمي والأهلي أعاد القضية الفلسطينية وفي مقدمتها قضية القدس المحتلة إلى مربعها الأول

أما العنصر الإيجابي الثالث، الذي لا يقل أهمية عن العنصرين السابقين فهو ما جرى بعد قرار الرئيس الأميركي ترمب من تحركٍ عربي جاد وفوري على الصعيدين الرسمي والأهلي أعاد القضية الفلسطينية وفي مقدمتها قضية القدس المحتلة إلى مربعها الأول الذي يجب أن تعود إليه، لتصبح كما كانت القضية المركزية للعرب دولا وشعوبا بعيدا عن العزلة التي وضعتها فيها اتفاقية أوسلو التي جاءت مخيبة للآمال، ولم تخدم القضية في شيء يحقق خطوة للأمام بدلا من خطوات للخلف.

ورابع هذه العناصر الإيجابية تنبيه العالم بأسره من خلال المظاهرات والمسيرات التي عمّت مدنا وبلدانا كثيرة في شرق العالم وغربه إلى أهمية التوجه الدولي إلى حل القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع الناجم عنها لا على طريقة صفقة القرن التي تحدث عنها الرئيس المنحاز بامتياز دونالد ترمب، وإنما وفق القرارات الدولية المتعاقبة التي تحمي حقوق الفلسطينيين وتدعو إلى إنهاء الاحتلال وتقرر ضرورة قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس.

المصالحة
وخامس العناصر الإيجابية التي تمخضت عن القرار الأميركي الخارج على القانون الدولي هو تنبيه المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها إلى ضرورة الإسراع في إنجاز المصالحة الفلسطينية وبلورتها بالشكل الذي يلبي طموحات شعب مصمم على مواجهة الاحتلال ووضع حد لغطرسته وتجبره وحصاراته وخططه الاستيطانية، وبالتالي اعتماد كل وسائل المقاومة المشروعة التي لا بد في النهاية أن تؤدي إلى الخلاص من لعنة الاحتلال وإقامة الدولة المنشودة التي تحمي الأرض والإنسان، وتحقق العودة للوطن بعد انتظار طويل مضى عليه عقود من زمن الاغتراب
.

المطلوب في هذه المرحلة من تاريخ الصراع التي تبدو من أخطر المراحل وأصعبها هو توفير كل الضمانات عربياً وإسلامياً لنجاح انتفاضة العاصمة الفلسطينية الجديدة
بتوفر هذه العناصر الإيجابية السالفة الذكر تأتي انتفاضة عاصمة فلسطين هذه المرة غير معزولة عن محيطها العربي والإسلامي الذي تحرك بتحركها وتفاعل معها إلى حد تبني مطالبها ومساندتها بكل الوسائل المتاحة مادية كانت أم معنوية والأيام والشهور القادمة ستثبت ذلك.
 
ويبقى المطلوب في هذه المرحلة من تاريخ الصراع التي تبدو من أخطر المراحل وأصعبها هو توفير كل الضمانات عربيا وإسلاميا لنجاح انتفاضة العاصمة الفلسطينية الجديدة التي تبدو أكثر قوة وتأثيرا وأوسع صدى وانتشارا وأشد حزما وحسما واقتدارا من أي وقت مضى، وإلى الدرجة التي تشعر المتابع لها بأن هذا الشعب الصامد المتمرد على الاحتلال وإجراءاته التعسفية والقمعية قد أصبح يعيش فوق الاحتلال لا تحت وطأته، يقطع عليه طرقه الملتوية وخططه الماكرة التي تهدف إلى سلب الحقوق ومصادرة الأراضي والممتلكات والحجر على الطموحات والتطلعات المشروعة.

دعم مادي ومعنوي
والدعم المادي والمعنوي لانتفاضة عاصمة فلسطين يجب أن يكون على أكثر من صعيد وعلى أكثر من جبهة للمواجهة، فالدعم السياسي على سبيل المثال لا يتحقق إلا بدعم اقتصادي يرافقه دعم إعلامي مستمر ومتعدد الوسائل واللغات والساحات، سواء كانت هذه الساحات مع الانتفاضة أو ضدها، فهذه المسيرات والمظاهرات والاعتصامات أمام سفارات الدولة المنحازة لقوة الاحتلال الصهيوني تشكل فرصة كبيرة للاستثمار الإعلامي الذي يراد له أن ينصر قضية القدس العربية وينتصر لها ولتاريخها الذي يتعرض للطمس وقلب الحقائق بكل أساليب التضليل والتزوير
. 

لا يحسبن أحد أن اليوم كالبارحة وأن فرصة الاستيطان والتهويد ما زالت سانحة فقلب الموازين غير العادلة أصبح ممكنا
لقد جاءت انتفاضة عاصمة فلسطين بحجم الهم العربي والفلسطيني الكبير وإنها لانتفاضة تحيي الأمل في النفوس من جديد، وتبعث على التفاؤل في زمن اليأس الذي طال، ويكفي أنها كفيلة بجمع العرب والمسلمين على هدف واحد وجبهة واحدة، هي جبهة الدفاع عن هوية القدس العربية الإسلامية، كما يكفي أنها حشدت كل قوى المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها وتنظيماتها في خندق واحد لا يقبل الفرقة أو الانقسام.
 
يكفي أنها بكل زخمها وارتفاع سقف مطالبها وتصاعد قوتها يوما بعد يوم تقول بصوت واضح ومرتفع لدولة الاحتلال ولمن يساندها: لا يحسبن أحد أن اليوم كالبارحة، وأن فرصة الاستيطان والتهويد ما زالت سانحة، فقلب الموازين غير العادلة أصبح ممكنا، والتغيير بقوة الإرادة ومشيئة الله قادم، والطريق إلى الثورة الرادعة المانعة ممهد وسالك، وكل الدلائل التي يرسم شاخصاتها الشهداء ببقع من دمائهم الطاهرة واضحة المعالم وتشير مجتمعة إلى أن القدس في وقت قريب غير بعيد ستصبح عاصمة لدولة فلسطين، بل هي في نظر المرابطين الصامدين والثائرين في وجه كل القوى الظلامية المتربصة بالقدس وأهلها قد أصبحت عاصمة فلسطين بالفعل قبل أن تقوم الدولة المنشودة، وقبل أن ينتهي الصراع بحلول السلام العادل، وإن غدا لناظره قريب.
المصدر : الجزيرة