مسألة "مصر التوراة" وتزوير التاريخ الفلسطيني (2-2)
آخر تحديث: 2017/4/10 الساعة 14:24 (مكة المكرمة) الموافق 1438/7/14 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/4/10 الساعة 14:24 (مكة المكرمة) الموافق 1438/7/14 هـ

مسألة "مصر التوراة" وتزوير التاريخ الفلسطيني (2-2)

لما كان اللاهوتيون، وعلماء الآثار من التيار التوراتي، قد اعتبروا الاسم "فرعة" في صيغته العبرية بمعنى فرعون، وأن "فرت- ءفرة" هو الفرات، وأن "حمة" هي حماة السورية، فقد ظهرت جغرافية غير قابلة للتصديق بأي معايير واقعية وعلمية. وإذا ما سلمّنا جدلاً بفحوى النص التوراتي عن معركة كبرى جرت بين نبوخذ نصر وملك مصري في هذه المنطقة فسوف تكون لدينا جغرافية غرائبية تفوق أيّ خيال جغرافي جامح.

فها هنا فرعون مصر وجيشه، وهو يعبر الفرات العراقي من مرج كامس (كركميش) الفلسطينية، ليقاتل نبوخذ نصر في حماة السورية، أي أنّ المعركة ستصبح في بلاد الرافدين لا في فلسطين، لقد ترجمت كلمة فرتــءفرة التوراتية إلى فرات، للإيحاء بأنَّ المعارك دارت بالفعل بين الآشوريين والمصريين.

لما كان اللاهوتيون، وعلماء الآثار من التيار التوراتي اعتبروا الاسم "فرعة" في صيغته العبرية بمعنى فرعون، وأن "فرت- ءفرة" هو الفرات، وأن "حمة" هي حماة السورية، فقد ظهرت جغرافيا غير قابلة للتصديق

لكن القبول بهذا الفهم المغلوط للاسم، سوف يعني من جانب موازٍ أن المعركة دارت بين الآشوريين والمصريين على ضفاف الفرات، وليس في فلسطين؟ وبالتالي، يصبح من غير المنطقي اعتبار معركة كركميش من نسيج الوقائع التاريخية في فلسطين، لأن المعركة -حسب هذه الترجمة- تكون قد وقعت في العراق القديم، وهذه مشكلة عويصة.

فأين تقع كركميش هذه؟ إذا كانت المعركة جرت بين الطرفين في فلسطين، فلماذا يعبر الملك المصري نهر الفرات؟ وهل يمكن الوصول إلى فلسطين من خلال عبور الفرات؟ وهل فرعة تعني (الفرعون)؟ ثمة مشكلة أخرى عويصة.

في نصوص أخرى من التوراة يرد اسم (برعو) كاسم لملك مصري، خاض صراعاً ضد الآشوريين، ولذا قام مترجمو ومحققو النص التوراتي بترجمة كلمة (برعو) إلى (الفرعون)، والآن كما نلاحظ، تتم ترجمة كلمة (فرعة) العبرية إلى (فرعون)، فهل الفرعون هو برعو أم فرعة؟ هذا التخبط والفوضى في تأويل الأسماء هو الذي أدّى إلى صعوبة هائلة في فهم النص التوراتي، وهذا أمر حقيقي، يواجهه القارئ العربي كما القارئ الأجنبي.

في الواقع، لا تعرف السجلات المصرية الرسمية، ولا النقوش والجداريات، ولا وثائق التاريخ المصري القديم ملكاً بهذا اللقب، أي فرعون. أما أن يُطلق محقّقو النص العبري وعلماء الآثار لقب فرعون على ملك برعو، فهذا أمر مثير للتعجب، لأنَّ مصر لا تعرف لقب (الفراعنة) في تاريخها أبداً كما لا تعرف تعبير (برعو)، وشيوع استعمال هذا اللقب في وصف حكام مصر، ناجم عن هيمنة (ثقافة شعبية دينية) لا أكثر.

بكلام مختصر: لا توجد كلمة فرعون قط في السجلات التاريخية المصرية؛ هناك تعبير: أسر الملوك فقط، ولا وجود لكلمة فرعون، وإذا ما سلمنا باعتبار (فرعة) تعني فرعون، فكيف نقبل بأن (برعو) هي أيضاً فرعون؟

هنا نقش سرجون الذي يسجل اسم برعو: 18. ومن برعو أحد ملوك مصر وشمسي ملكة وادي العرب وءمر السبئي وملوك الساحل والصحراء تلقيت الذهب، وخراج الجبال والأحجار الكريمة والعاج وبذور الكتان وكل أنواع الأعشاب والخيول والجمال، كجزية منهم. وهزمت متع ملك موسكي على أرضه في مدن حوره وفي حصون أرض قو التي كان يحكمها بالقوة منذ أمد.

في هذا النقش يتأكد لنا بشكل قاطع أن (برعو) أحد ملوك مملكة "معين مصرن" وكان متحالفاً مع السبئيين.

لقد دخل اسم (الفرعون- فرعون) في وعي العامة من الناس والدارسين -على حدّ سواء- فقط مع الإسلام وبفعل الثقافة الشعبية، وارتباطاً بالقصة القرآنية عن هروب بني إسرائيل من فرعون مصر، أما في أوروبا، ومع تنامي وتعاظم الاهتمام بمصر منذ نهاية القرون الوسطى، وانخراط علماء آثار وكتاب تاريخ في الترويج لما يمكن اعتباره (تاريخاً لمصر) مُستمداً بالكامل من قصص التوراة، فقد شاع استخدام تعبير (فرعون) بفضل هيمنة القراءة الاستشراقية للتوراة، حيث فُسِّر اسم مصر في النصوص التوراتية على أنَّ المقصود به مصر الإقليم العربي.

وبحسب نصوص التوراة وتاريخ مملكة إسرائيل (الرسمي) الذي أنشأته وأسّسته دراسات وأبحاث المؤرخين وعلماء الآثار من التيار التقليدي، فقد كانت هناك معركة كبرى بين الآشوريين والمصريين تدعى كركميش في فلسطين، ولذا يُقال لنا في المؤلفات التاريخية إنَّ معركة كركميش هذه خاضها الفرعون نيخو الثاني 610-595 ق.م، وهُزم فيها أمام نبوخذ نصر، وإنَّ المعركة كانت واحدة من أكبر معارك التاريخ القديم، وهي مثّلت من المنظور الإستراتيجي واحدة من أكبر المواجهات الحربية بين القوتين العظميين في العالم القديم، وقد مُني فيها المصريون بنكسة مأسوية، ولم يتمكنوا من السيطرة على قدس أو بلوغ الساحل، وهو الإخفاق ذاته الذي واجه رمسيس الثاني من قبل.

إذا كانت (كركميش) هذه في فلسطين، فلماذا لا نجد لها أيّ أثر، حتى وإنْ كان لغوياً، يدلّنا على هذا الحدث التاريخي الضخم؟ وهل من المنطقي جغرافياً تصور أن على المصريين لكي يقاتلوا في فلسطين أن يعبروا نهر الفرات العراقي؟

لكن، إذا كانت (كركميش) هذه في فلسطين، فلماذا لا نجد لها أيّ أثر، حتى وإنْ كان لغوياً، يدلّنا على هذا الحدث التاريخي الضخم؟ وهل من المنطقي جغرافياً تصور أن على المصريين لكي يقاتلوا في فلسطين أن يعبروا نهر الفرات العراقي؟ هذه جغرافية خيالية. وكيف يمكننا أن نؤمن بتاريخ رسمي يتحدث عن ملك مصري لا وجود له في السجلات التاريخية؟

سأعطي رواية مختصرة عن المعركة: نحو عام 701 ق.م جهز نبوخذ نصر حملة حربية استهدفت محاصرة مخلاف (مملكة يهوذه) بعد تمرد قبلي محدود. وفي إطار هذه الحملة، كتب حزقيا إلى سنحاريب الذي كان يعسكر في الساحل (يعرف قديماً باسم لكيز-لكيس) وهذا هو الاسم نفسه الذي سجله الجغرافيون العرب القدماء، رسالة يدعوه فيها إلى تجنيب أورشليم مخاطر الاجتياح العسكري. وعن هذا الأمر كتب سارد نص سِفر الملوك الثاني قائلاً: (سِفر الملوك الثاني، النص العبري: 18: 8: 21) ما يأتي:

(وفي السنة الرابعة عشرة للملك حزقيا، صعدَ سنحاريب ملك آشور على كل منازل يهوذه، وخربها ودمرها، فأرسل حزقيا ملك يهوذه إلى ملك آشور في لكيز قائلاً: لقد أخطأتُ فانصرف عني، وأيّ شيء طلبتَ سأعطيك، ففرض ملك آشور على حزقيا ملك يهوذه ثلاثمئة قنطار من الفضة وثلاثين قنطاراً من الذهب).

كانت الجزية باهظة، بحيث اضطرّ معها حزقيا إلى أن ينزع الذهب عن أبواب الهيكل، ليسدّد الثمن المطلوب لبقائه في العرش. ومع ذلك أرسل سنحاريب قادته من معسكره في لكيز-لكيس على الساحل إلى أورشليم لتسلّم الجزية، دون أن يقدم أي ضمانات بأنه لن يدمر المدينة. ويبدو أنَّ سنحاريب لم يكتفِ بفرض الجزية الثقيلة على حزقيا، بل رغب في إذلاله أيضاً، ولذلك كلف رُسل حزقيا أن ينقلوا إلى ملكهم الرسالة الجوابية الآتية:

قولوا لحزقيا لا نريد مجرد كلام. علامَ راهنت؟ أعلى مصريم؟ أليست من القصب المرضوض، متى اتكأ عليها المراهن ثُقبتْ كفه، كذلك هو ملك برعو، وملك مصريم، وذلك حال مَنْ راهنوا عليه. ولئن قلتم: كلا، على الرب إلهنا نتوكل، أليس حزقيا هو الذي دمّر مذابحه في موّة؟

تكشف رسالة نبوخذ نصر هنا زيف الترجمة العربية (وباللغات الأخرى أيضاً) فهو يميز بين ملك برعو (ولا يقول عنه فرعون كما في الترجمة) وبين ملك مصريم (مصرن) ومن دون أن يقول إن اسمه (نيخو-نخو الثاني). وكما هو واضح من سياق النصّ، فإن المسرح القتالي يتّسم بكونه ميدان قتال جبلياً وعراً، تقطن فيه قبائل عربية، بدلالة أسماء الوديان والجبال.

وكما يتّضح من سياق الرسالة أيضاً، فإنَّ العاهل الآشوري يتحدث عن قبائل يمنية لا عن مصر البلد، وإنَّ اسم مصر في هذه الرسائل ينصرف إلى تحالف عشائري كبير، وليس المقصود به مصر الإقليم. والرسالة بعد هذا تعيد تذكير حزقيا بمصير ملكين من مملكة معين مصرن، أحدهما ملك برع-برعو، والآخر ملك مصريم. لكن الترجمة العربية للتوراة، كما رأينا حوّلت اسم برعو-برع إلى (فرعون) مصر.

وبسبب هذه الترجمة الخاطئة، فقد شاع في مؤلفات علماء الآثار والتاريخ ما يمكن عدّه نوعاً من (تحقير) لمكانة مصر، ورد في رسالة الإمبراطور الآشوري، وهو أمر لا وجود له في الواقع. ولو أننا تقبلنا هذه الترجمة، لوجب علينا أن نقبل على مضض فكرة أنَّ الآشوريين كانوا يعاملون مصر كقبيلة أو تحالف قبلي! وهذا مخالف للحقيقة التاريخية.

تضمنت رسالة سنحاريب تلميحاً لا تعوزه الصراحة ولا التهديد المُبطن، بأنَّ الآشوريين يشعرون بالضيق والغضب من الإصلاحات الدينية الواسعة التي قام بها حزقيا من خلال تدمير الأوثان. كما عكست بدقة غضب الإمبراطورية من الهجمات المدبرة التي نظمت ضد المعابد الوثنية؛ بل وانزعاجهم من الطريقة التي كان حزقيا يدير فيها العلاقة مع القبائل (العشائر) المقيمة في الجوف، وهي من أقوى قبائل اليمن، إذ بدلاً من معاداتها لأنها معادية للإمبراطورية، راح يمدّ الجسور معها، مراهناً على إمكانية خلق جبهة قوية من تحالفات قبلية واسعة.

ثم ختم العاهل الآشوري رسالته الغاضبة، مخاطباً القبائل العربية بالقول: لا تسمعوا كلام حزقيّا واعقدوا صلحاً معنا. لا تسمعوا له وهو يقول إنَّ الرب سوف يُنقذه من يدي. الأمم التي دمّرها آبائي لم تنقذها آلهتها. أين آلهة حمّة وءرفد وصفرئيم واليناع وعوي؟ هل أنقذت السمرا من يدي؟

وكل هذه الأسماء، هي أسماء معابد دينية قديمة في اليمن وليست في فلسطين؟ وعندما يقول نبوخذ نصر أن آباءه دمروا هذه المعابد، فهو يعني ما يقول.

في الواقع، اجتاح العاهل الآشوري مدن الجوف اليمني، حيث معابد رصف، وارفد، وها يناع، حتى بلغ جبل العوي. وهذه هي المدن والجبال والمعابد التي يعرفها علماء الآثار جيداً في اليمن وليس في فلسطين

هنا جزء من نقش "P103" لتجلات بلاسر الثالث (745-727 ق.م) يذكر فيه أنه احتل (ارفد). وهذا هو معنى قول سنحاريب إنَّ آباءه احتلوا (ارفد):

"328. 1" (رقم 64)- غزوتُ- أرض أمورو (عمورو) كلها (بمجملها) واستوليت على جبلة وصيدا وأرفد، وبسطت هيمنتي عليها وفرضت الجزية.

وإذا ما طبقنا هذه الجغرافية على بلاد الشام، فسوف تصبح الجغرافية أكثر خيالية مما يحتمله الخيال، ذلك أن العاهل الآشوري قضى على الوثنيين في جبلة على ساحل اللاذقية ثم صيدا في الساحل اللبناني، ثم حماة في شمال سوريا حتى وصل أرفد في فلسطين جنوب سوريا، علماً بأن أرفد ورصف وسواهما من هذه الأماكن لا وجود لها هناك، وفقط لكي يقهر كهنة أورشليم؟ لقد زوّر علماء الآثار من التيار التوراتي تاريخ فلسطين القديم، حين (لفقوا) ملوكاً لمصر، وحولوا معارك الجوف اليمني إلى معارك داخل فلسطين.

في الواقع، اجتاح العاهل الآشوري مدن الجوف اليمني، حيث معابد رصف، وارفد، وها يناع، حتى بلغ جبل العوي. وهذه هي المدن والجبال والمعابد التي يعرفها علماء الآثار جيداً في اليمن وليس في فلسطين. ما تتحدث عنه النقوش الآشورية بوضوح هو (معابد) وثنية تم تدميرها. ولا تزال أطلاها هناك في (مملكة معين مصرن) وليس في مصر.

إن التاريخ لا يعرف ملكاً مصرياً مهزوما يدعى نيخو الثاني، ولا ملكاً يدعى برعو. هذا (فرعون) آخر من تلفيق اللاهوتيين لا أكثر.

المصدر : الجزيرة