ليبرمان مؤلف ومخرج الاستيطان
آخر تحديث: 2017/10/11 الساعة 21:22 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/21 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/11 الساعة 21:22 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/21 هـ

ليبرمان مؤلف ومخرج الاستيطان

قد يتبادر لذهن القارئ الذي يقرأ العنوان أن "أفيغدور ليبرمان" وزير الجيش الإسرائيلي قد أصبح بقدرة قادر كاتبا دراميا، يتولى كتابة السيناريو والحوار لفلم استيطاني طويل أو مسلسل تلفزيوني يتكون من عشرات الحلقات دون أن تكون له حلقة أخيرة.

في الواقع فإن ليبرمان يقوم بشيء شبيه بهذا حين يتخذ من الأرض الفلسطينية مادّة لفلمه الاستيطاني القائم على الرعب، لكثرة ما فيه من سلب ونهب بقوة عنف مسلح يقوده الجيش الذي هو وزيره. وحين يذهب ليبرمان بأطماعه إلى أبعد مدى، يلتبس الأمر على المراقب الدولي لأفلام الاستيطان، فيحسب أن هذا السيناريست الماهر وزير للاستيطان لا وزير للجيش كما هو مسماه الوظيفي عند رئيس وزراء حكومة الاحتلال نتنياهو. 

ومن يتابع المشاهد المرعبة للفيلم الاستيطاني الذي هو من تأليف ليبرمان وإخراجه، يرى الأرض الفلسطينية المستهدفة والمنهوبة تتلوى وتصرخ تحت الضربات الاستيطانية التي يوجهها لها دون توقف أبطال هذا الفلم الصهيوني الطويل أو المسلسل التهويدي اللامنتهي. وإذا كان الوزير ليبرمان من يتولى كتابة السيناريو والإخراج معا، فإن رفيق دربه الاستيطاني نتنياهو يتبنى الإنتاج بلا منازع أو شريك. 

حرب صامتة ضحاياها آلاف الدونمات المنهوبة ومئات الأشجار المقتلعة وعشرات البيوت التي يتم هدمها وأعدادٌ كبيرة من العائلات الفلسطينية التي يتم تشريدها وحرمانها من حق المواطنة

نحنُ هنا لسنا بصدد إعداد مقدمة تحذيرية تليق بفلم ليبرمان الاستيطاني، ولسنا في معرض التفكير بكتابة عرض ونقد لعمله الدرامي الضّخم فحسب، ولكن ما نهدف إليه هو إلقاء نظرة بانورامية على مشاريع سلبه ونهبه التي تجري على حساب أرض فلسطين في الضفة الغربية والقدس، كأنها إنجازات وانتصارات حرب صامتة ضحاياها آلاف الدونمات المنهوبة ومئات الأشجار المقتلعة وعشرات البيوت التي يتم هدمها، وأعدادٌ كبيرة من العائلات الفلسطينية التي يتم تشريدها وحرمانها من حق المواطنة لتذوق مرارة اللجوء في الوطن المحتل وليس خارجه.

لننظر ولنتأمل في نتائج هذه الحرب الاستيطانية الصامتة ومآسيها وآثارها الوخيمة. إن نتائج حرب ليبرمان الاستيطانية الصامتة تبدو نتائج مرعبة وفي غاية الخطورة، وستجر الوبال والخسران الفادح على فلسطين وشعبها، وستؤدي إلى قضم المزيد من الأرض الفلسطينية ومصادرتها بقانون الاستيطان الجديد المعزز بقوة الجيش الذي يقف على رأسه مهندس الاستيطان الصهيوني وزعيمه الجنرال ليبرمان. 

ها هو ليبرمان عرّاب الاستيطان يعلن مؤخرا عن إعداد خطة أمنيّة شاملة لمستوطنات الضفة الغربية حتى منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني، تستهدف شق طرق وإنارة خاصة في منطقة الأغوار المحتلة، ويصرّح بأن الاستيطان في الضفة الغربية ومنطقتي الأغوار والبحر الميت هو بمثابة الجدار الواقي لـ"دولة إسرائيل". 

وتصريح ليبرمان هذا لم يأت بجديد، وإنما هو في سياق تصريحاته الاستيطانية التصعيدية السابقة، التي لا يعطي من خلالها أي اعتبار لاحتجاج فلسطيني أو عربي أو دولي. 

وليبرمان هذا يعارض أي تسوية في حالة وجود أي حل يمكن أن يؤدي للسلام في المنطقة، ويعتبر أي قانون بهذا الخصوص سيسبب الضرر الكبير لإنجازاته الاستيلائية ومشروعه الاستيطاني الكبير في الضفة والقدس. 

لا ينسى ليبرمان مدينة الخليل التي تضمنتها خطته الاستيطانية الإستراتيجية، فيبادر إلى التوقيع على قرار عسكري في القيادة الوسطى للجيش يهدف إلى توسيع صلاحية اللجنة الاستيطانية في الخليل

وفي المقابل يؤكد على أنه لن يوافق على تجميد البناء الاستيطاني في حالة تحريك مفاوضات مع الطرف الفلسطيني، كما يدعو إلى شطب كلمة "تجميد" من قاموس الاستيطان. وعلى اعتبار أن الاستيطان هو الجدار الواقي لدولته في نظره، فإنه يبني تحقيق المزيد من شهوته الاستيطانية التي لا تقف عند حد على نظرية الدفاع عن النفس، وكأنه يقول إن خير طريقة للدفاع هي الهجوم.. بل مواصلة الهجوم على الأرض الفلسطينية دون توقف! 

ولا ينسى ليبرمان مدينة الخليل التي تضمنتها خطته الاستيطانية الإستراتيجية، فيبادر إلى التوقيع على قرار عسكري في القيادة الوسطى للجيش يهدف إلى توسيع صلاحية اللجنة الاستيطانية في الخليل، بحيث تعمل على تحسين الخدمات المقدمة للمستوطنين في الحي اليهودي بمدينة الخليل وغيرها من البؤر الاستيطانية الأخرى. 

وهو إذ يعد المستوطنين بتطوير الاستيطان في سائر أنحاء الضفة الغربية، يُبدي عزما واستعدادا تاما لإيلاء اهتمام خاص لكل ما يتعلق بتقوية وتوسيع الاستيطان في الخليل، وفي الوقت نفسه يعلن شريكه في الاستيطان نتنياهو أن مستوطنة معالي أدوميم جزء لا يتجزأ من أرض إسرائيل، ولا بد من تسمينها بآلاف الوحدات السكنية وتوسيع رقعتها لتصبح متصلة بالقدس. 

يستبشر ليبرمان بعهد الرئيس ترمب الذي أصبح على رأس الإدارة الأميركية ويعول عليه الكثير، ويصارح دعاة الاستيطان بأن مستقبل المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية منوط بالتفاهمات التي سوف تبرمها دولة الاحتلال مع الإدارة الأميركية الجديدة، حيث أصبح الباب مفتوحا لهذه التفاهمات التي ستتيح -له ولمن حوله -بحسب اعتقاده- مواصلة الاستيطان خاصة في المستوطنات الكبيرة. 

مؤلف فلم الاستيطان ومخرجه إلى حيز التنفيذ ما زال يأمل في التوصل إلى إبرام صفقة مع الإدارة الأميركية في عهد ترمب بخصوص الاستيطان، تعترف من خلالها الإدارة الأميركية بالكتل الاستيطانية الكبيرة

ومؤلف فلم الاستيطان ومخرجُه إلى حيز التنفيذ ما زال يأمل في التوصل إلى إبرام صفقة مع الإدارة الأميركية في عهد ترمب بخصوص الاستيطان، تعترف من خلالها الإدارة الأميركية بالكتل الاستيطانية الكبيرة على الأقل بما يسمح بمواصلة البناء فيها، وتتضمن هذه الصفقة المزمع إبرامها امتناع الولايات المتحدة الأميركية عن التصويت، إذا لم تستعمل حق النقض "الفيتو" في حالة تقديم أي مشروع عربي فلسطيني إلى مجلس الأمن يشجب ويدين الاستيطان برمته ويعتبره غير مشروع. 

والآن، وبعد المصالحة الفلسطينية التي وضعت كلا من فتح وحماس في خندق مواجهة واحد، يُخشى من أن يستبدل أفيغدو ليبرمان تفكيره القديم بشن حرب على غزة بتفكير جديد وهو شن هجوم استيطاني شامل يُسابق الزمن، فلا يبقي ولا يذر إلا القليل، ليحول المدن الفلسطينية إلى جزر معزولة وأحياء مهددة بالهدم أو المصادرة في أي وقت، وبالطريقة التي يراها مناسبة له، وتنسجم مع أطماعه ومصائده المنصوبة هنا وهناك.

وفي هذه الحالة المنذرة بأفدح العواقب، لن يتبقى مكان أو زمان مناسب يتسع لإقامة دولة فلسطينية أو حتى ما يسميه المخططون لتصفية القضية حكما ذاتيا يكون المحتل سيده وحامي حدوده ووجوده، بحيث -لا قدر الله- يظل الجدار الواقي للاستيطان الذي يرى فيه ليبرمان -كما يقول- حماية لدولة الاحتلال. 

والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه مجددا: وماذا نحن العرب فاعلون إزاء ما يرسمه المحتلون ويخططون له من مشاريع استيطانية كبيرة، يتبناها ثنائي الاستيطان ليبرمان نتنياهو ويعملان على تنفيذها بأسرع وقت ممكن؟! 

المصدر : الجزيرة

التعليقات