تحاول يارا منذ غادرت بوابة السجن أن تؤرشف في ذاكرتها تفاصيل العناق الأخير مع والدها الأسير، وكأنها تنسج لحظات الأُبوّة الدافئة بخيط قوي واحد، فكيف لهذه الذكرى أن تخبو وتمحى، وهي التي وعدت والدها بالمواظبة على سقي شجرة ذكراها.

أسيل جندي-القدس

على مدى 18 عاما، لم تجتمع يارا ابنة الأسير أيمن الشرباتي، من سكان ضواحي القدس،  بأبيها سوى دقائق على مرتين، كانت الأولى وهي في السادسة من عمرها، والثانية قبل أيام حين سمح لها جنود الاحتلال في سجن جلبوع بالدخول على والدها لمعانقته والتقاط صورة معه.

تقول يارا "عندما سجن والدي كنت قطعة من اللحم في رحم أمي، وعندما بلغت سن الثامنة عشرة سمحت لي إدارة السجن بالدخول لمعانقته لمدة ثلاث دقائق".

وتتابع "في تلك اللحظات شعرت بأنني أحلق في السماء، فحنان أبي اخترق قلبي وأسرني للمرة الأولى، ما زال هذا المشهد عالقا في ذهني منذ ودعته وعدت أدراجي من تلك الزيارة التي لم تشبه بقية الزيارات، فأبي أسير خلف القضبان وأنا أسيرة به لكن دون قضبان".

بهذه الكلمات عبّرت الفتاة الفلسطينية عن مشاعرها تجاه زيارتها الأخيرة للمعتقل الإسرائيلي، حيث سمحت إدارة السجن بدخولها لمعانقة والدها والتقاط صورة تذكارية معه للمرة الثانية في حياتها.

يارا تنظر للصورة التي جمعتها بوالدها داخل السجن عندما كان عمرها ست سنوات (الجزيرة)

ذكرى لن تمحي
تحاول الابنة منذ غادرت بوابة السجن أن تؤرشف في ذاكرتها تفاصيل العناق الأخير، وكأنها تنسج لحظات الأُبوّة الدافئة في خيط قوي واحد، فكيف لهذه الذكرى أن تخبو وتمحى، وهي التي وعدت والدها بالمواظبة على سقي شجرة الصورتين حتى لو كانت تربة السجن عصيّة على إنباتهما.

استقبلت يارا الجزيرة نت في منزلها ببلدة العيزرية شرقي القدس، وتحدثت بلهفة عن زيارتها الأخيرة لوالدها "عندما طلب السجانون مني مرافقتهم حتى أدخل لمقابلة والدي وجها لوجه وجدتُ نفسي أهرول بسرعة نحو الباب الذي يقبع والدي خلفه، وما إن فُتح حتى حملني والدي وتعانقنا وبكينا معا".

تتابع "بعد دقيقتين اقترب منا سجّانان وأجبرانا على الوقوف أمام الحائط لالتقاط صورة لنا، ثم أمراني بالخروج من الغرفة فورا، عندها قلت لوالدي تعال معي إلى المنزل أريد البقاء معك".

وتقول أيضا "قبل زيارتي الأخيرة كنت أحدق كل يوم بصورتي القديمة مع والدي لكنني الآن أحدق بالصورة الجديدة عشرات المرات يوميا دون ملل، ولي أمنية واحدة هي أن تُلتقط لنا الصورة الثالثة وقد تحرر والدي من سجون الاحتلال".

الأم ريما الشرباتي نجحت في عملها وتربية أولادها (الجزيرة)

حرية بالسجن
افتقدت يارا وجود والدها عندما التحقت بالمدرسة، إذ كانت زميلاتها بالصف يذكرن آبائهن أمامها دائما، وهي التي لم تحظ بعناق وقبلة من والدها، ورغم وجعها أكدت أنها لم تشعر يوما بالحرية سوى بتلك الدقائق التي جمعتها بوالدها قبل أسابيع داخل السجن.

واعتقلت سلطات الاحتلال المقدسي الشرباتي يوم 16 مارس/ آذار 1998 بتهمة قتل مستوطنين في باب العمود بالقدس المحتلة، وخضع لتحقيق قاسٍ استمر لسبعين يوما في مركز تحقيق المسكوبية بالقدس، وحُكم عليه لاحقا بالسجن مدى الحياة.

عاشت زوجته ريما حياة قاسية ووجدت نفسها بعد اعتقاله وحيدة مع ثلاثة أطفال وجنين سيخرج إلى الدنيا بعد أشهر، فبدأت بتكوين حياة جديدة بعيدة عن زوجها رغم آلامها، وتلقت دورات في فن التجميل وعملت موظفة لسنوات في مراكز التجميل إلى أن افتتحت مركزا خاصا بها.

كبر الأبناء الأربعة، وأكمل علاء ومحمد دراستهما الجامعية وتزوجا، ورزق الأسير أيمن بحفيده الأول الذي تمنعه مصلحة السجون حتى الآن من زيارة جده، كما كبرت ابنتاه حنين ويارا وهما تتلقيان تعليمهما الجامعي في جامعة القدس.

ورغم نجاح ريما الشرباتي في عملها وتفوق أبنائها الأربعة بدراستهم فإنها تشعر بفراغ كبير في حياتها لا يشغله سوى تحرر زوجها من قضبان السجون "أشعر أحيانا بضيق شديد وأتمنى لو بإمكاني مهاتفة زوجي لأشكو له همومي، لكنني أكتم هذه المشاعر وأصرخ بيني وبين نفسي دون أن يسمعني أحد".

المصدر : الجزيرة