محمود أبو عطا

محمود أبو عطا

كاتب مختص في شؤون القدس

هبة النفق نعني بها الأحداث التي وقعت بتاريخ 25 سبتمبر/أيلول 1996 واستمرت ثلاثة أيام  في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومن ضمنها القدس، وكذلك في الداخل الفلسطيني (داخل الخط الأخضر) على إثر قيام الاحتلال الإسرائيلي بفتح باب مخرج رئيسي عبر حفر مسرب/نفق في قلب الصخر الطبيعي لنفق الجدار الغربي للمسجد الأقصى الذي يمتد على طول 488 مترا، الأمر اعتبره الفلسطينيون خرقا واضحا لما اصطلح على تسميته الوضع القائم في المسجد الأقصى، ولما اعتقدوه من مخاطر جسيمة قد تقع على المسجد الأقصى بسبب افتتاح هذا الباب تحت جدار المسجد الأقصى الشمالي عند المدرسة العمرية.

الأحداث خلفت 67 شهيدا ونحو 1600 جريح من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، من ضمنها وقوع مجزرة في المسجد الأقصى بتاريخ 27 سبتمبر/أيلول 1996 راح ضحيتها أربعة شهداء من القدس المحتلة.

ونطلق هنا تسمية النفق الغربي أو نفق الجدار الغربي أسفل ومحاذاة أسفل الجدار الغربي للمسجد الأقصى اصطلاحا وبتسمية تقريبية تعريفية لواقع عمليات حفريات الاحتلال الإسرائيلي التي حفرها أسفل طول السور الغربي للمسجد الأقصى الغربي.

يهودية منذ البداية
في عام 1970 أطلقت وزارة الأديان الإسرائيلية الحفريات أسفل المسجد الأقصى أو بمحاذاة أسفله بإشراف مباشر من شخصية دينية يهودية رسمية يطلق عليها اسم "حاخام الجدار الغربي"، وكان آنذاك هو "الراب مائير يهودا جاتس"، وهو ما يعطي دلالات دينية يهودية بحتة لهذه الحفريات، وهذا ما صرحت به وزارة الأديان الإسرائيلية نفسها آنذاك، وعلى مدار سنوات طويلة إلى أن دخل على الخط ما تسمى سلطة الآثار الإسرائيلية لإضفاء بعد إضافي لهذه الحفريات أو إيجاد غطاء علمي لها، ثم أخذت بعدا سياسيا إضافيا آخر عندما تحولت المسؤولية لمكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية من خلال تشكيل شركة حكومية خاصة تهتم بمنطقة البراق والجدار الغربي باسم "صندوق إرث المبكى" عام 1988، يقف على رأسه حاخام الجدار الغربي والأماكن المقدسة بسحب التسمية الإسرائيلية.

video

إذن فالحفريات في مراحلها الأساسية استمرت نحو 18 سنة تحت إمرة وزارة الأديان الإسرائيلية، وفي عام 1988 كثف "صندوق إرث المبكى" من الحفريات والتهيئات والتوسعات التي هدفت إلى تكثيف وزيادة عدد الزوار بشكل ملحوظ، واستثمر "صندوق إرث المبكى" جهودا كبيرة من أجل تهيئة وتجهيز النفق الغربي لزيارة الجمهور العام وتوفير حركة آمنة وممتعة للزوار وترميم القناطر القديمة وتعميد الحجارة وتصليحها وتصليح أضرار المياه.

كل هذا تطلب حلولا هندسية وتأمينية للسلامة الشخصية فتم تركيب شبكة تبريد وإضاءة خاصة، ونصب لافتات إرشاد، وبنيت مسارات مشي مناسبة لذوي الحاجات الخاصة، وأقيم طاقم إرشاد وشرح مهني على مستوى عال يرافق الزوار ويقدم شروحات عن الجدار الغربي والمعبد والحياة في القدس قديما، تقدم الشروحات بلغات عدة لجماهير متنوعة: مصلون، طلاب مدارس، جنود الجيش، مجموعات منظمة، عائلات، سياح من البلاد ومن كل أنحاء العالم يستمعون إلى الرواية اليهودية التلمودية عن النفق والآثار التاريخية فيه، إذ إنهم يعتبرون هذه الأنفاق عبارة عن شريط زمني لتاريخ القدس القديمة، والزائر هناك يبلغ في باطن الأرض إلى أيام ازدهار القدس في السنة الميلادية الأولى وما قبلها وبعدها بقليل، ولكن الزيارة أيضا تعتبر درسا متميزا عن التاريخ اليهودي في الآثار وعلم طبقات الأرض، حسب ما يقولون.

النفق الغربي في حقيقته عبارة عن مجموع من الفراغات والأنفاق والقناطر والأبنية تحت الأرض، والآبار والقنوات المائية، تقع أسفل وبمحاذاة الجدار الغربي للمسجد الأقصى، أغلبها أبنية من الفترة المملوكية أو الأيوبية والعثمانية، قام الاحتلال بتفريغ الأتربة والطمم والحجارة التي ملأت هذه الفراغات والأنفاق بسبب تهدم الأبنية القديمة، وأحيانا حفرت أنفاق أخرى جديدة فيما بين هذه الأبنية لإيصال أجزائها وأطرافها ببعضها البعض، ليكون مع ذلك مسار مشي على طول نحو 488 مترا.

فتح باب المخرج
قبل فتح النفق الغربي عام 1996 كانت هناك محاولتان شبيهتان في عامي 1986 و1994 لكنهما فشلتا، ومساء الـ23 من سبتمبر/أيلول ومع خروج مساء عيد الغفران اليهودي "الكيبور" اتخذ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قرارا بافتتاح باب مخرج لنفق الجدار الغربي يصل مباشرة ويقع في طريق المجاهدين أسفل المدرسة العمرية أسفل شمال المسجد الأقصى، واتخذ القرار بمشاورة رئيس الشاباك عامي أيلون، ورئيس البلدية حينذاك إيهود أولمرت.

صبيحة اليوم التالي أعلن نتنياهو عن قراره، ومباشرة سافر إلى خارج البلاد، وفي ساعات المساء وبحماية قوات الاحتلال تم فتح الباب وتركيب باب حديدي في الموقع بعد منع الجماهير المقدسية من الوصول إلى الموقع، وحصلت بعض المواجهات المحدودة بين قوات الاحتلال والمقدسيين.

تصاعدت المواجهات في اليوم التالي واتسعت رقعتها بالتزامن مع إعلان إضراب عام وشامل في أنحاء الضفة الغربية وغزة وإضراب تجاري في القدس، وبدأت مواجهات واسعة بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي، وهذا اليوم يعد أول يوم من أيام هبة النفق، وتواصلت المواجهات لثلاثة أيام دارت خلالها مواجهات شرسة استخدم فيها الاحتلال الإسرائيلي الرشاشات الكبيرة والرصاص الحي، وأدخلت الدبابات إلى بعض المدن في الضفة الغربية، وكان حصيلة الأيام الثلاثة وقوع 67 شهيدا (31 شهيدا في قطاع غزة، 32 شهيدا في محافظات الضفة الغربية، أربعة شهداء في القدس في مجزرة يوم الجمعة في المسجد الأقصى و1600 جريح فلسطيني، ومقتل 17 جنديا إسرائيليا).

في يوم الجمعة أي مساء عيد العرش العبري -وفق مصادر صحفية- تمت مكالمة بين رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات أوقفت على إثرها المواجهات، وتم التوصل إلى تفاهمات بين الطرفين كان من نتائجها توقيع اتفاق الخليل.

نتائج الهبة
شكلت هبة النفق مفاجأة كبيرة للاحتلال الإسرائيلي وحكومة نتنياهو وأذرع اتخاذ القرار، ولم يتوقعوا ردة الفعل القوية من قبل الفلسطينيين، ولا يعود هذا فقط لأن رئيس الحكومة الجديد العهد والصغير السن نسبيا وقلة خبرته الخبرة، وكذلك رئيس البلدية العبرية الجديد أيضا، بل لأنه على ما يبدو فإن كثيرا من أذرع اتخاذ القرار الإسرائيلي كانت مطمئنة إلى الوضع الفلسطيني، وصعوبة حدوث هبة أو انتفاضة جديدة بهذا الحجم والقوة، وإلا كيف نفسر خروج نتنياهو وبعض قيادات الشاباك إلى خارج البلاد بعد صدور قرار دراماتيكي وثقيل من هذا النوع، وقد أديرت العمليات بعدها بغياب نتنياهو.

إن هبة النفق بما حصل من مواجهات قوية واشتراك كل الطيف الفلسطيني فيها شكلا حلقة جديدة في سلسلة النضال الفلسطيني الذي أثبت فيها الشعب الفلسطيني تمسكه بأرضه ومقدساته، وعلى رأسها المسجد الأقصى وأنه خط أحمر تهون لأجله التضحيات، وأثبتت هبة النفق أن لدى الشعب الفلسطيني خيارات أخرى غير خيار التفاوض ومسار التسوية، وعاد المسجد الأقصى في هذه الهبة للواجهة مرة أخرى، وانحاز الفلسطينيون إلى القبلة الأولى ليذكروا الاحتلال أنه خط أحمر، هكذا كان وهكذا سيظل.

لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمنا غاليا في هبة النفق، لكن -وللأسف الشديد- فإن هذا الثمن لم يستثمر فلسطينيا بالشكل الصحيح والمناسب من أجل قضية القدس والأقصى، وإن عد إبرام اتفاق الخليل إنجازا سياسيا فلسطينيا آنذاك فإني أزعم غير ذلك، فقوافل الشهداء والجرحى والمعتقلين الذين سقطوا خلال هبة النفق كان يجب أن تجبر الاحتلال الإسرائيلي على إغلاق باب مخرج النفق إطلاقا، ثم إن فتح النفق ونتائجه كان إحدى تبعات ونتائج اتفاق أوسلو الكارثية التي نصت على تأخير وتأجيل وترحيل المفاوضات على قضية القدس عامة.

وإن لم يتوقع نتنياهو ردة الفعل على فتح باب النفق الغربي فإني أعتقد أن قراره كان قرارا يتناسب مع أيديولوجيته وفكره السياسي الاستيطاني ونظرته إلى القضية الفلسطينية، وبالتالي فإنه اعتبر في خضم دفاعه عن قراره بفتخ النفق أنه جزء من الدفاع عن قدس الأقداس وعن صخرة الوجود اليهودي.  

سعى نتنياهو من خلال قرار فتح باب النفق إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وهي السياسية التي انتهجها بعد ذلك على مر السنين القادمة، والتي جاءت تباعا في سنوات حكمه وحكومته المتعقبة منذ عام 2009 حتى الآن عبر مشاريع التهويد والاستيطان الواسع، وتصعيد الاقتحامات للمسجد الأقصى وطرح مشاريع التقسيم الزماني للمسجد الأقصى بين المسلمين واليهود.

video

تبعات كارثية
لقد نجح الاحتلال الإسرائيلي في احتواء وتطويق رد الفعل الفلسطيني سريعا، وأصر وواصل فتح باب النفق الغربي، وإن توقف يومها لأيام فقط، الأمر الذي كانت له نتائج وتبعات كارثية على المسجد الأقصى ما زال صداها يتردد إلى اليوم، بل يقوى يوما بعد يوم، نذكر منها:

- إن فتح النفق حوله إلى أكبر موقع زيارات لنقل الرواية التوراتية الإسرائيلية، وزاد عدد الزوار إلى أكثر من مليوني زائر سنويا.

- كرس فتح النفق أكبر عملية تزوير للتاريخ والحضارة والآثار، فالحفريات المتواصلة في شبكة أنفاق الجدار الغربي تعتبر أكبر وأوسع عملية تزييف للآثار والتاريخ، فالاحتلال الإسرائيلي يعتبر هذه الآثار آثارا عبرية من آثار وتاريخ ومخلفات الهيكل الثاني تم ترميمها أو اكتشافها من جديد وإن كان لا ينكر أحيانا أصول هذه بعض هذه الآثار الإسلامية.

- فتح النفق وسع وفتح باب الحفريات في مسار النفق الغربي على نطاق واسع، إذ اتسعت رقعة الحفريات وازدادت مواقعها وأعدادها بشكل كبير، بل كبير جدا، بل تفرعت الحفريات بجانب مسار النفق الغربي، وأضيفت إلى مواقع مسار النفق الغربي أو أحد تفريعاته بشكل غير مسبوق، مثل موقع "سلسلة الأجيال" أو موقع "خلف جدارنا" -حفريات وقف حمام العين- وتحول مسار النفق الغربي إلى متحف ومعرض كبير، بل تحول إلى موقع لوجود عدد من الكنس اليهودية الدينية.

-  تحول النفق الغربي إلى جزء أساس من مدينة يهودية تقام تحت الأرض ستشكل بحسب تخطيط الاحتلال الإسرائيلي مدينة يهودية تاريخية تحت الأرض تعوض الاحتلال الإسرائيلي عن مثلها فوق الأرض، لأن المعالم الإسلامية والعربية العريقة هيمنت على المشهد العام في القدس، وعلى رأس هذه المعالم المسجد الأقصى وكنيسة القيامة في قلب القدس القديمة.

لا شك في أن هبة النفق الغربي ألقت بظلالها على سلوك نتنياهو السياسي وجعلته لربما أكثر حذرا، لكن التاريخ يشير إلى أنه في كل سنة أو سنتين يكرر أخطاءه فيما يخص القدس والأقصى، وبالتالي فإننا أمام موجات من الهبات القصيرة أو الطويلة أو الانتفاضات المتكررة إحقاقا للحق الفلسطيني بأرضه ووطنه ومقدساته، وسيظل المسجد الأقصى خصوصا والقدس عموما بوصلة الشعب الفلسطيني ومفجرَيْ غضبه وانتفاضاته إلى أن يحسم الصراع بزوال الاحتلال الإسرائيلي عن القدس والأقصى وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك