محمود الفطافطة-رام الله

من أبرز مشاريع التهويد في القدس، التي يتجدد الحديث عنها بين وقتٍ وآخر، مشروع أطلق عليه "تنخيل تراب جبل الهيكل"، في إشارة إلى تراب مستخرج من المصلى المرواني بالمسجد الأقصى قبل 18 عاما، والهدف "تزوير وتهويد هذا التراب".

ووفق المركز الإعلامي لشؤون القدس والمسجد الأقصى، تسعى منظمات وشخصيات إسرائيلية متخصصة في الآثار منذ 12 عاماً لإعطاء مشروع التنخيل صبغة علمية أثرية وتاريخية بهدف الترويج بأن هذا الأثر يعود إلى فترة ما يُسمى "الهيكل الثاني".

وبدأ الاهتمام اليهودي بأعمال التنقيب الأثري في القدس قبل أكثر من مئة عام على احتلال المدينة، وذلك في إطار البحث التوراتي الهادف إلى إعادة كتابة التاريخ الفلسطيني عبر اختلاق صلة ما بين الماضي اليهودي المفترض والحاضر الاستيطاني الكولونيالي.

ترويج مثير
ولم تنفصل هذه التنقيبات عن مخططات الاحتلال حول المدينة، واختلطت الدوافع العلمية في استكشاف تاريخها بالدوافع الأيدولوجية الصرفة. ومنذ ذلك التاريخ تمت عشرات الحفريات في المدينة، تركزت معظمها في محيط منطقة المسجد الأقصى والتلال المجاورة، وكان البحث عن منطقة ما يُسمى "جبل الهيكل" الدافع وراء تلك التنقيبات.

شوامرة: بعد إزالة مخلفات المصلى المرواني لترميمه، دسّ علماء آثار إسرائيليون مواد أثرية في داخلها (الجزيرة نت)

رغم وصول تلك التنقيبات حداً من الإسفاف العلمي، وانتقادها من بعض علماء الآثار الإسرائيليين أنفسهم، بوصفها سطحية وغير موجهة علمياً، بل خاضعة للأهواء الأيدولوجية، فإن الاحتلال يروج بين الحين والآخر لإعلانات متجددة عن اكتشافات مثيرة تجد طريقها سريعاً إلى الإعلام؛ تعكس الرواية الإسرائيلية المختلقة لتاريخ القدس، التي تقدمها كمدينة يهودية خالصة.

ويقول مدير دائرة التسجيل وترسيم المواقع الآثارية في فلسطين عوني شوامرة إنه بعدما أزيلت مخلفات المصلى المرواني لترميمه، دسّ علماء آثار إسرائيليون مواد أثرية في داخلها، مدعين ارتباطها بتاريخ اليهود في القدس.

وأضاف شوامرة في حديث للجزيرة نت أن هؤلاء العلماء أتوا بزملاء لهم من الغرب ليقوموا بعملية تنخيل تلك الأتربة أمام أعينهم، واستخراج القطع الأثرية التي دسوها مسبقاً، ليكون ذلك شاهداً على أن هذه الأتربة التي تم استخراجها من المصلى المرواني تعود إلى حقبة يهودية غابرة في القدم.

وأوضح أن تلك المخلفات التي تعود لحقبٍ تاريخية متراكمة هي مخلوطة، وبدون أي سياق حضاري، وأن الهدف من تنخيلها هو تزوير حقائق من أجل تثبيت الادعاء الباطل بأن الأقصى أقيم على بقايا وأنقاض الهيكل المزعوم، مؤكدا أن كل الادعاءات ومحاولات التزوير البائسة واليائسة لم تفضِ إلى النتيجة التي يصبو إليها الصهاينة فيما يتعلق بخلق تاريخ يهودي مصطنع ومختلق في القدس.

ويشدد شوامرة على أن كافة الطبقات الأثرية -ابتداءً من العصر الحجري، وصولاً إلى العصر الحالي- هي عبارة عن أرشيف فلسطيني كامل بامتياز، ولا توجد أي حساسية عند الفلسطينيين من أي طبقة أو حقبة زمنية محددة.

السيخ: كل الموجودات الأثرية عبر الحقب الزمنية تخلو من أي أثر يهودي أو إسرائيلي (الجزيرة نت)

تغييب مقصود
إلى ذلك، تشير دراسة حديثة أعدها وكيل وزارة السياحة والآثار السابق طه حمدان إلى أن هذه التنقيبات محكومة عموماً بدافع رئيسي هو البحث عن التاريخ اليهودي المزعوم، وهذا لا يتسنى إلا من خلال تغييب الدلائل الأثرية التي تعود لفتراتٍ وثقافات أخرى.

ويستنتج حمدان أن استخدام نتائج علم الآثار على هذا النطاق الواسع يستدعي تكريس الجهود العلمية الفلسطينية والعربية والإسلامية والدولية لدحض الرواية الإسرائيلية حول القدس وتبيان زيفها الأيدولوجي تمهيداً لتفكيكها، وتعزيز رواية علمية موضوعية لتاريخ القدس.

وفي السياق ذاته، يذكر مدير دائرة المواد غير العضوية بوزارة السياحة محمد السيخ أن كل الموجودات الأثرية عبر الحقب الزمنية تخلو من أي أثر يهودي أو إسرائيلي، مشيراً إلى أن التنقيبات في القدس تنقيبات تبتلع الكثير مما لا تستطيع هضمه واستيعابه، وأنها تخضع لأهواء كبار المتنفذين من أصحاب المصالح، ولها دوافع أيدولوجية مرتبطة مباشرة بالمشروع الاستيطاني في القدس.

المصدر : الجزيرة