محمد أبو الفيلات-القدس

ليس ثمة أصعب من ألم الفراق على الإنسان، فكيف لو كان الفراق أبديا بين الأم وأول وليد لها، كان هو من ألبسها تاج الأمومة، وعرفت من خلاله معنى أن تكون أما، حتما سيكون شعورا قاسيا، وخاصة في الأعياد التي يفترض أن تكون أيام بهجة وسرور، لن يتحمله إلا من أُلهم الصبر والسلوان. 

والدة الشهيد محمد أبي خلف إحدى أولئك اللواتي أفقدهن الاحتلال فلذات أكبادهن، ففي 19 فبراير/شباط الماضي أطلق جنود الاحتلال على نجلها محمد نحو 50 رصاصة من مسافة الصفر، مما أدى إلى ارتقائه شهيدا على الفور، وكان ذلك بدعوى محاولته طعن أحد عناصر الاحتلال المتمركزين في منطقة باب العامود ببلدة القدس القديمة. 

50 رصاصة حالت بين محمد وتحقيق حلمه الذي طالما عمل من أجله، حيث سعى ليصبح بطلا عالميا في السباحة، وشارك في العديد من البطولات المحلية محرزا مراتب متقدمة، كما كان يسعى لأن يكون مدربا محليا للسباحة، فكان يعمل مدربا للسباحة في بعض النوادي الصيفية إلى جانب عمله الرئيسي سائق شاحنة. 

قتل حلم
لم تحل الرصاصات بين محمد وأحلامه فحسب، بل حالت كذلك دون تحقيق أحلام ذويه بأن يتزوج وينجب حفيد العائلة الأول كما كان هو الحفيد الأول لعائلته وحمل اسم جده، فاستهتار جنود الاحتلال بحياة الفلسطينيين وقتلهم بدم بارد حول أحلام أسرة الشهيد محمد إلى رماد. 

والدة الشهيد أبي خلف: عيد الفطر كان محمد في ثلاجات الاحتلال أما اليوم فزرت قبره ودعوت له (الجزيرة نت)

احتجز الاحتلال جثمان الشهيد محمد أبي خلف ستة أشهر كاملة في ثلاجات معهد التشريح، ثم سلمه لذويه في فجر 6 سبتمبر/أيلول الجاري، واضعا شروطا قاسية جدا قبل تسليمه لهم ليشيعوه إلى مثواه في القدس

فقد سمحت سلطات الاحتلال لعشرين شخصا فحسب من عائلته بتشييعه ومنعت الباقين من إلقاء نظرة الوداع عليه، كما صادرت هواتف المشيعين منعا من تصويره، واشترطت على عائلته دفع كفالة مالية قدره نحو خمسة آلاف دولار أميركي غير مستردة في حالة الإخلال بالشروط التي وضعتها تلك السلطات.

بعد دفن الشهيد في مقبرة المجاهدين، تعيش عائلته نوعا من الارتياح لكونها تمكنت أخيرا من إكرام نجلها ودفنه، إذ تقول والدته للجزيرة نت: "لا مقارنة بين حالتي النفسية والجسدية في عيد الأضحى هذا وعيد الفطر الذي سبقه حتى الأيام التي سبقت دفنه مختلفة تماما عن هذه التي أعيشها اليوم فبعد دفنه أشعر بارتياح شديد". 

وتقول والدة الشهيد أبي خلف إنها في عيد الفطر لم تشعر بالفرحة وكان قلبها معلقا به في ثلاجات الاحتلال "لكن في هذا العيد الأمر مختلف، فأنا لا أنكر أنني أفتقده كثيرا، لكن -والحمد لله- تمكنت من زيارة قبره والسلام عليه والدعاء له، فخلاصه من ثلاجات الاحتلال أزاح عن قلبي الكثير من الهم". 

كان الشهيد الشقيق الأكبر لأربعة أشقاء من بينهم خالد الذي لا يزال يشعر بألم فقده، حيث اعتاد -كما يقول للجزيرة نت- على الذهاب مع محمد إلى السوق لشراء ملابس العيد، فهو يحب ذوق محمد الذي كان معروفا في العائلة بأنه أكثرهم أناقة، لكن بعد أن قتله الاحتلال بدم بارد لم يعد لخالد شقيق شاب يصطحبه في خروجه أو يحاوره أو يشاركه همومه وأفراحه. 

عائلة الشهيد محمد أبي خلف أصرت على أن يكون حاضرا خلال العيد ولو بالصورة داخل المسجد الأقصى (الجزيرة نت)

مساومة بالجثمان
يقول والد الشهيد محمد أبي خلف للجزيرة نت إن العيد يمر عليه وفي قلبه غصات كثيرة أولاها أن الاحتلال حرمه من نجله الأول الذي كان هو أول فرحته وصديقه الوحيد وشريكه وكل شيء في حياته، وليست آخر الغصات أن الاحتلال يمتنع عن إعطائه نتيجة تشريح جثمان نجله، حيث يشترط الاحتلال عليه أن لا يتوجه إلى المحاكم الدولية لمقاضاة الاحتلال نتيجة التشريح. 

ويضيف والد الشهيد "لا يغيب عن بالي مشهد استلامي لجثمان نجلي، كان متجمدا رغم أن سلطات الاحتلال أخرجته من الثلاجة قبل يومين من تسليمه، وكان كل شبر في جسده مثقوب بفعل الرصاصات التي باعتقادي زادت عن 50 بكثير... حتى محاسبتهم قضائيا على قتلهم لمحمد بدم بارد يريدون حرماني منها". 

رغم أن العيد خلق لينشر الفرحة والسعادة بين الناس إلا أن الاحتلال يأبى أن يكون ذلك، إما بسجن الفلسطيني أو قتله أو تشريده، أو حتى احتجاز جثث الشهداء بعد قتلهم، إذ لا يزال يحتجز 12 جثمانا من بينهم جثمان الشهيد المقدسي مصطفى النمر من مخيم شعفاط.

المصدر : الجزيرة