أسيل جندي-القدس

قد يغيب عن ذهن المقدسية ليلى العيساوي (69 عاما) والدة الأسرى الثلاثة سامر ومدحت وشيرين موعد مراجعة الطبيب أو زيارة اجتماعية عليها القيام بها، لكنها لم تنس أن تثبت في ذاكرتها جيدا أن سجون الاحتلال حرمتها من وجود أبنائها حولها في عيدي الفطر والأضحى لثلاثين عاما، باستثناء مرة واحدة عام 2013.

وصل مجموع ما قضاه أبناؤها الثلاثة في الأسر حتى الآن 62 عاما، وتحكي الأم -أثناء زيارة الجزيرة نت لمنزلهم بمناسبة عيد الأضحى المبارك- عن الألم الذي تعيشه بمرارة، لأن يدا ظالمة زلزلت ركائزها وسلختها عن حياة عاشتها قديما.

أحنّ للفوضى
وتحدثت ليلى والدة الأسرى الثلاثة عن تجربة العائلة في الأسر قائلة "منذ عام 1987م لم نجتمع كأسرة في المنزل، فدائما هناك من يقبع خلف القضبان من أبنائي".

وتضيف أنها كانت تعيش حلما عندما كانوا أطفالا يلتفون حولها في منزل يعجّ بالحركة، "لكنني أعيش الآن مع زوجي وحدنا وأشتهي سماع صوت أحدهم يُحرك ساكنا في هذا المنزل الكبير الفارغ".

وأضافت أنها لم تختر الحياة الهادئة بل فُرضت عليها، فالوحدة -كما تقول- "صعبة خاصة أنني أعاني من عدة أمراض، وهذا يجعلني حساسة جدا، وأتمنى أحيانا لو بإمكان أحد أبنائي مناولتي قرص الدواء، أخشى الرحيل عن الحياة قبل احتضانهم وهم محررون".

ويقبع في الأسر كل من شيرين العيساوي وهي محكومة بالسجن لأربعة أعوام، ومدحت المحكوم بالسجن لثمانية أعوام وهو متزوج وأب لطفلة، في حين يقضي سامر العيساوي حكما بالسجن لعشرين عاما، وهو صاحب الإضراب الشهير عن الطعام الذي استمر لـ278 يوما.

ولا يقتصر وجع الأم على أبنائها الأسرى، بل يتجدد جرحها مع الذكرى السنوية لاستشهاد ابنها فادي الذي اغتاله رصاص الاحتلال عام 1994 وكان يبلغ من العمر حينها 17 عاما.

ولا تبدو لرحلة عذاب العائلة نهاية قريبة، إذ تدهم قوات الاحتلال منزلهم بين الحين والآخر لتفتيشه تارة وللاستفسار عن ابنيها رأفت وشادي المطاردين، بسبب الديون الطائلة عليهما لبلدية الاحتلال كمخالفات بذريعة البناء دون ترخيص.

الجدان العيساوي مع حفيدتهما ليلى ذات الأربع سنوات وهي ابنة الأسير مدحت (الجزيرة)

تبييض السجون
يتوجه المسنان ليلى وطارق العيساوي لزيارة أبنائهم الأسرى مرتين شهريا، وحول أجواء الزيارة قالت الأم إنه رغم العناء الجسدي الكبير الذي يرافق الزيارة، فإنه يزول تماما بمجرد رؤيتهم، حتى وإن كانت وجوههم لا تبدو واضحة تماما بسبب كثافة الزجاج الذي يفصل بينهم وبينها.

وأشارت العيساوي إلى حرصها على التنقل بين النوافذ لإلقاء التحية على بقية الأسرى أثناء الزيارة واهتمامها برؤيتهم جميعا، وحول أمنياتها في عيد الأضحى لهذا العام قالت "أتمنى من الله أن تبيض السجون من جميع الأسرى، فأنا لا أريد أن يتحرر أبنائي وحدهم، بل أن يعيد الله لكل أم فلسطينية وعربية ابنها أو ابنتها التي حرمت منهم.. هذا أقصى ما أتمنى".

أما الأب طارق العيساوي فتطرق لغياب فرحة العيد عن منزلهم باستمرار، وعدم انشغاله وزوجته بالتحضير لطقوسه من حلويات وما شابه، واستذكر عيد الأضحى في عام 2013 عندما خرج أبناؤه جميعا من الأسر لمدة شهرين فقط وقضت العائلة العيد مجتمعة.

وعن ذكريات ذلك العيد قال "لم أكن أعرف أن العيد جميل لأنني لم أشعر يوما ببهجته، أذكر أننا صنعنا كمية كبيرة من المعمول حينها وشارك ابني سامر في صنعه، وأعدّت زوجتي وبناتي شيرين ورشا طعام الغداء، شعرنا جميعا بفرحة عارمة حينها".

وعلى مدار ثلاثين عاما من رحلة ليلى وطارق لسجون الاحتلال المختلفة، راقبا تطورها وتضاعف عددها وإجراءاتها التي تزداد صرامة يوما بعد يوم، وما يزال أمام المُسنيّن العيساوي رحلة طويلة مع سجون الاحتلال، يفرضها وجود أحد الأبناء هناك.

المصدر : الجزيرة