محمد ذياب أبو صالح

محمد ذياب أبو صالح

عضو الهيئة الإسلامية العليا بالقدس الشريف

 
ترك المماليك في القدس إرثا حضاريا وأبنية ونقوشا وزخارف في المسجد الأقصى المبارك وحواري بيت المقدس، ما زالت شاهدا حتى وقتنا الحاضر على اهتمامهم بها، وعلى عظمة هذه الدولة التي وقفت في وجه التتار والصليبيين.
 
عندما استولى الظاهر بيبرس على الحكم، كانت فلسطين إحدى الولايات التي وقعت تحت حكمه، وبهذا فقد أولاها اهتماما خاصا ولا سيما أنها تحتضن بيت المقدس، وشن العديد من الغارات على معاقل الصليبيين، واستولى على العديد من المدن الفلسطينية الساحلية وتوغل في الشمال.
 
وبعد معركة عين جالوت التي وقعت في رمضان عام 1259 ميلادية، وانتصر فيها المماليك على المغول، تم لهم السيطرة على فلسطين، وتوجهوا نحو القدس، وتولى الظاهر بيبرس أمرها، حيث اهتم بتعميرها وحمايتها، وتخفيف المعاناة عن سكانها.
 
وكان من أبرز ما قام به بعد زيارة القدس في العام 1262، أن جدد كل ما تهدم من قبة الصخرة، ورتب برسم مصالح المسجد كل سنة 5000 درهم، كما جدد قبة السلسلة وزخرفها.
 
وأنشأ في القدس خانا للسبيل، ونقل له بابا خاصا من دهليز كان للخلفاء المصريين بالقاهرة، وأوقف عليه نصف قرية لفتا وغيرها من القرى من أعمال دمشق، وبنى به مسجدا وطاحونا وفرنا وبستانا.
 
وورد ذكر هذا الخان في كتاب "المفصل في تاريخ القدس" لمؤلفه عارف العارف، كما ذكر أحمد القلقشندى في كتابه "صبح الأعشى" أخبار هذا الخان، وقال إنه بني بأربع قباب على الطراز الهندسي الذي كان في زمن المماليك.
 
جدد الظاهر بيبرس قبة السلسلة وزخرفها (الجزيرة)
زيارة ثانية
وكان من اهتمام الظاهر بيبرس بالقدس أن زارها مرة ثانية في العام 1265، وبنى خلال هذه الزيارة رباط البصيري الواقع شمالي الطريق الموصل إلى المسجد الأقصى، وأصبح منذ بداية العهد التركي مسكنا للتكارنة، وهم من أصل أفريقي جاؤوا من دارفور وغيرها.
 
وكان هؤلاء يعملون لدى الحكومة العثمانية في قسم الشرطة، وكان يوكل إليهم حراسة المدارس والمنازل والأروقة حول الحرم وبواباته، وكانوا مخلصين للعثمانيين، ومنعوا الاجانب من دخول الحرم المقدسي.
 
ويقال إنه عندما زار إمبراطور النمسا فلسطين، اضطر متصرف القدس إلى سجن التكارنة حتى يتمكن الإمبراطور من دخول القدس والحرم المقدسي.
 
كما بنى الظاهر بيبرس المدرسة الهكارية (دار الحديث)، ويقول عنها مجير الدين الحنبلي إنها كانت بجوار التربة الجالقية من جهة الغرب، وأوقفها الأمير شرف الدين عيسى بن بدر الدين أبي القاسم الهكاري.
 
وكان من عائلة الهكاري عدة أمراء وقادة للسلطان صلاح الدين الأيوبي، وقد أبلوا بلاء حسناً في الحروب الصليبية، ومنهم الفقيه أبو محمد عيسى بن محمد الهكاري الشافعي المشهور، الذي كانت له حظوة لدى صلاح الدين، وقد أُسر أثناء المعارك جنوب فلسطين فافتداه صلاح الدين بستين ألف دينار.
 
ومع انتقال الحكم للمماليك بقي الأمير شرف الدين في منصبه قائدا لأحد الجيوش، ويشير تاريخ بناء وقفية "المدرسة الهكارية" إلى العام 666 هجرية، وهي ضمن فترة حكم المماليك، أي أن الأمير المذكور أقام مدرسته في عهد المماليك.
 
وقد نشطت في عهد الظاهر بيبرس الحركة الفكرية والدينية في بيت المقدس، وبرز رجال أفذاذ في هذا البلد من المسلمين، أمثال المحدث زين الدين أحمد بن عبد الدائم بن نعيمة ألمقدسي، وشيخ الحرم القدسي موسى بن غانم الأنصاري، والأمير شرف الدين أبو محمد عيسى الهكاري وغيرهم. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك