أسيل جندي- القدس

تعاني المسنّة المقدسية أم مراد من فشل كلوي، وتخضع أربع مرات أسبوعيا لجلسات غسيل الكلى، وتؤمن بأن ذلك قضاء الله وقدره، لكن ما يؤذيها أكثر هو إقامة سلطات الاحتلال مصنعا لتدوير النفايات قرب منزلها.

تقول أم مراد إنها أُصيبت بحساسية مزمنة بالصدر جراء استنشاقها الروائح المنبعثة من المصنع الذي لا يفصله عن منزلها سوى شارع واحد، مما ضاعف معاناتها دون أن تجدي شكواها للجهات المعنية نفعا.

ولا تبعد منازل أم مراد وأبناؤها وأحفادها الخمسون سوى أمتار عن مصنع النفايات الذي أقامه الاحتلال قبل نحو عامين في منطقة "عطروت" الصناعية على أراضي بلدة بير نبالا شمالي القدس، مما حول حياة السكان إلى جحيم وحرمهم من متعة الجلوس خارج منازلهم واستنشاق هواء نقي.

أضرار ملموسة
وبدأت الآثار الصحية السلبية تلقي بظلالها على السكان، حيث أُصيب عدد من المسنّين والأطفال بأمراض في الجهاز التنفسي كالالتهاب الرئوي والربو والزكام والسعال الدائمين، دون أن تجدي الشكاوى التي تقدموا بها لبلدية الاحتلال ووزارة البيئة الإسرائيلية مدعمة بالتقارير الطبية.

أم مراد تعاني من الفشل الكلوي وتضاعفت معاناتها بسبب روائح وانبعاثات مصنع النفايات (الجزيرة نت)

وفضلا عن الأضرار البيئية والصحية يشتكي السكان من الإزعاج الدائم جراء دخول عشرات الشاحنات يوميا لتفريغ حمولتها من النفايات في مصنع التدوير.

من جهتها، تشتكي المقدسية أم عز الدين التي يطل منزلها على مصنع التدوير، من عدم قدرتها على فتح نوافذ المنزل وتهويته، موضحة أن السكان أصبحوا سجناء داخل منازلهم.

وتابعت: "تأثر أطفالنا صحيا ونفسيا بوجود المصنع، فإذا قرروا الخروج للعب حول المنزل يعودون إليه مع انتفاخ بالعيون ترافقه حكّة شديدة بجميع أنحاء الجسد جراء تعرضهم للسعات البعوض".

ويقول سليمان القيق، الذي لا يبعد منزله سوى 200 متر عن المصنع، إن العديد من المنشآت الصناعية حصلت على تراخيص للعمل في ذات المنطقة، موضحا أن تلك المصانع لها أضرار صحية خطيرة.

وقال إنه تقدّم شخصيا بعدة شكاوى لبلدية الاحتلال من المصنع لكن دون جدوى، كما توجه إلى خمسة محامين حتى الآن، لكنهم رفضوا استلام القضية، واعتبروا أنها مضيعة للوقت لأن المصنع أُنشئ بموافقة حكومية إسرائيلية.

ويضيف القيق في حديثه للجزيرة نت أن طفله الذي يبلغ من العمر عامين يعاني من فقدان الشهية بسبب استنشاقه للروائح الكريهة، كما تمتنع طفلتاه عن اللعب حول المنزل خوفا من التقيؤ ومن لسعات البعوض.

ووفق خبير البيئية جورج كُرزم فإن الانبعاثات السامة الناتجة عن معالجة النفايات بما فيها العضوية الملوثة، تؤثر بشكل كبير على الأشخاص ذوي المناعة الضعيفة كالأطفال والمسنّين.

شاحنة تفرغ حمولتها وشاحنات أخرى تنتظر تفريغ حمولتها بمصنع تدوير النفايات (الجزيرة نت)

منشآت خطيرة
وأكد رصد حالات كثيرة من أمراض الجهاز التنفسي، والجفاف والتقيؤ والإسهال لدى سكان المنازل المحيطة بالمصنع، مبينا أن "استنشاق بعض الغازات النيتروجينية والكبريتية الناتجة عن أنواع المعالجة المختلفة للنفايات بشكل تراكمي قد يؤدي للإصابة بالسرطان، لكن لا بد من التحقق من المسبب في حال اكتشاف حالات إصابات جديدة بالسرطان في تلك المنطقة".

وينفي الخبير كُرزم صحة ادعاءات وزارة البيئة الإسرائيلية بأنها تتبع طرقا حديثة في معالجة نفايات القدس بشطريها الشرقي والغربي، موضحا أن نسبة التلوث في المنطقة عالية وآثار المصنع السلبية واضحة على صحة السكان.

وأشار إلى أن مثل هذه التراخيص تمنح عادة لمنشآت في مناطق مفتوحة ومعزولة تبعد عدة كيلومترات عن الأحياء السكنية الإسرائيلية والمستوطنات، لكن الدوائر الحكومية الإسرائيلية تسمح بإقامة هذه المنشآت الخطرة قرب الأحياء السكنية الفلسطينية.

ولا تقتصر الأضرار البيئية والصحية لمصنع التدوير على السكان القريبين من المنطقة الصناعية وبلدة بيت حنينا القريبة فحسب، بل تتسع لتصل إلى قرى أخرى. 

المصدر : الجزيرة