أسيل جندي-القدس

قدم العالم الصوفي الهندي بابا فريد شكركنج لمدينة القدس قبل نحو 800 عام، واعتكف أربعين يوما في غرفة حجرية تحت الأرض بجوار مسجد، قرب باب الساهرة. ومنذ ذلك الحين أصبحت غرفته مزارا للحجيج الهنود في طريق ذهابهم أو عودتهم من أداء فريضة الحج.

اهتم الهنود بتوسعة المكان واشتروا عقارات مجاورة للغرفة الصوفية، لتصل مساحتها مجتمعة لسبعة دونمات أُطلق عليها الزاوية الهندية أو الفريدية، نسبة للصوفي بابا فريد شكركنج، وسُجّلت الزاوية كوقف هندي إسلامي خيري.

تسلمت عائلة الأنصاري ذات الأصول الهندية مسؤولية رعاية الزاوية قبل تسعة عقود، وبحسب شيخ الزاوية محمد منير الأنصاري فإن المكان خلا من المشايخ المسؤولين عن رعايته منذ عام 1924.

وأضاف الأنصاري -في حديثه للجزيرة نت- أن رئيس المجلس الإسلامي الأعلى آنذاك أمين الحسيني أرسل وفدا من القدس إلى الهند، وحمّله رسالة يطلب فيها من الحكومة الهندية إرسال شخص يتولى رعاية الزاوية وإدارة شؤونها، ووقع الاختيار حينها على والده الشيخ ناظر حسن الأنصاري الذي ينحدر من مدينة سهارنبور في ولاية يوبي الهندية ليتولى رعاية الزاوية.

زوار هنود يستعدون للسفر إلى بلادهم بعد مبيتهم أياما في الزاوية الهندية (الجزيرة نت)

عائلة هندية
وتابع "انتقل والدي لمدينة القدس وتولّى إدارة شؤون الزاوية حتى توفي عام 1951، وتسلّمتُ أنا المهام من خلفه، وأقوم بمتابعة كافة التفاصيل الإدارية بالزاوية، وأعيش مع زوجتي وأبنائي وأحفادي في جزء من الزاوية، ونحمل جميعنا الجنسية الهندية، وتُجدد إقاماتنا في مدينة القدس كل ثلاثة أعوام من وزارة الداخلية الإسرائيلية".

وتمثل الزاوية الهندية موقف الحكومة الهندية التي تؤمن بالسلام العالمي، ومذهب غاندي القائم على العدالة، وتنبع أهمية الزاوية من أنها كانت مقرا يقصده سفراء الهند في الشرق الأوسط والدبلوماسيون الهنود من جميع أنحاء العالم.

تحولت الزاوية لمعسكر للجيش الهندي مع بدء الحرب العالمية الثانية، وكان الجيش يخضع لرعاية بريطانيا حينها، وعند انتهاء الحرب أُخلي المعسكر وعاد الحجيج يقصدون الزاوية من جديد، بعد استقرار المنطقة وخضوع القدس لإدارة المملكة الأردنية، وكان يصل عدد الحجيج ممن يبيتون في الزاوية إلى سبعين حاجا وحاجة.

في السابع من يونيو/حزيران 1967، ومع احتلال ما تبقى من القدس، سقطت 25 قذيفة على الزاوية ودُمّر قسم كبير منها، واستشهد إثر ذلك ثلاثة من أفراد عائلة الشيخ محمد منير الأنصاري، بينما أصيب 15 آخرون من العائلة إصابات بين المتوسطة والطفيفة.

انقطع توافد الحجاج والزوار الهنود بعد احتلال القدس، وبقيت الزاوية مدمرة حتى اعتراف الهند بإسرائيل عام 1992، وتكفلت الحكومة الهندية حينها بالتنسيق مع عائلة الأنصاري بإعادة إعمار الزاوية خشية اندثار تاريخها وهويتها الإسلامية.

تفتح الزاوية أبوابها حاليا للسياح الهنود وتوفر لبعضهم المبيت، ويستقبل زائرها فناء واسع تحيط به العديد من الأشجار المثمرة، وتتوزع حول الفناء غرف لمبيت الزوار ومطبخ، بالإضافة إلى مسجد الزاوية التاريخي وغرفة الصوفي بابا فريد شكركنج، ومكتبة ومعرض للصور يحتضن صورا تاريخية وحديثة لشخصيات فلسطينية وهندية بارزة مرّت على الزاوية.

قائد الجيش الهندي في قوات الطوارئ الدولية المتواجدة في الجولان جي منن مع شيخ الزاوية الهندية محمد منير الأنصاري (الجزيرة نت)

جنود هنود
ويقصد الزاوية الهندية حاليا أفراد من الجيش الهندي يخدمون في قوات الطوارئ الدولية في الجولان المحتل، ويترددون عليها لأخذ قسط من الراحة والاستجمام.

يحيط بالزاوية الهندية حاليا خمس بؤر استيطانية، وبحسب الشيخ الأنصاري فإن المستوطنين حاولوا اقتحامها عدة مرات من أحد الأبواب الخلفية لتنفيذ أعمال بناء وتوسعة، لكن العائلة تصدت لها ومنعتهم من إتمامها.

تشغل عيادة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) جزءا من الزاوية حاليا، كما شغلت مدرسة رياض الأقصى مرافق الزاوية سنوات طويلة، لكنها أُفرغت حاليا لاستقبال الزوار الهنود فقط.

وتحرص عائلة الأنصاري على إقامة عدة نشاطات لإحياء الزاوية، وتعكف على تنظيم مأدبة إفطار رمضاني سنويا، تجمع حولها الدبلوماسيين الهنود وأعضاء السفارة الهندية بالإضافة للمقدسيين، حرصا على التواصل ومناقشة قضايا المجتمع بشكل عام.

المصدر : الجزيرة