أسيل جندي-القدس

"أكادُ أجزم أن الدموع التي ذرفناها في ذلك اليوم فاقت كمية المياه التي سكبناها لإخماد الحريق، كان يوما أسود وأليما لن أنساه ما حييت".

هذا ما بدأ به المقدسي الثمانيني عثمان الحلبي حديثه عندما نبشنا ذاكرته بعد مرور 47 عاما على جريمة حرق المسجد الأقصى المبارك.

ففي الـ21 من أغسطس/آب عام 1969 أقدم متطرف أسترالي الجنسية يدعى دينس مايكل على إشعال النيران بالمصلى القبلي بالمسجد الأقصى، وشبّ الحريق بالجناح الشرقي للمصلى الواقع في الجهة الجنوبية للمسجد، والتهم كامل محتويات الجناح بما في ذلك منبر صلاح الدين الأيوبي التاريخي، كما هدد قبة المصلى الأثرية.

تقاعس
توجه الحلبي في ذلك الصباح إلى الأقصى كعادته، لكنه بمجرد دخوله انعدمت الرؤية أمامه بسبب كثافة الدخان وعلم فورا بما حدث، فبدأ هو وكل من وجد في الباحات بانتشال الماء من آبار الأقصى القريبة من المصلى القبلي باستخدام أواني الطبخ التي جلبها سكان البلدة القديمة من منازلهم ليطفئوا الحريق.

الحلبي: أُخمد الحريق بطرق بدائية وحل مساء ذلك اليوم وما زال المقدسيون يخمدون النيران (الجزيرة نت)

وصلت سيارات الإطفاء من مدن الضفة الغربية قبل وصول تلك التابعة لبلدية الاحتلال في المدينة، واتهم السكان حكومة الاحتلال آنذاك بالتقاعس في إطفاء الحريق والتورط بالتخطيط له.

ووفق الحلبي فإن إخماد الحريق بالطرق البدائية ساهم بانتشاره في أجزاء واسعة من المصلى، إذ حلّ مساء ذلك اليوم وما زال المقدسيون يخمدون النيران.

ورغم مرور عقود على حادثة الحريق، يؤكد الحلبي للجزيرة نت انعدام الاطمئنان لدى المسلمين بالمدينة قائلا "لم يُحرق الأقصى مرة أخرى، لكن قلوبنا تحترق كل يوم بسبب الانتهاكات المستمرة بحق هذا المسجد والمصلين والمتمثلة باقتحامات المستوطنين وتصرفاتهم الاستفزازية".

أما المقدسي عبد اللطيف السيّد فغادر منزله في حي راس العمود ذلك الصباح متوجها لمكان عمله بمدرسة دار الأولاد في القدس، وما إن وصل مدخل الحي حتى شاهد تجمهر المواطنين موجهين أنظارهم نحو الدخان المتصاعد من الأقصى الشريف وسط حالة من الذهول الشديد.

غيّر المواطن مكان سيره واتجه نحو الأقصى لكن جنود الاحتلال منعوا المقدسيين من دخول أبواب القدس الخارجية، فأخذ السكان داخل أسوار المدينة على عاتقهم مسؤولية إطفاء الحريق.

وفي طيّات أرشفته لأحداث ذلك اليوم يذكر السيد أن الحريق وافق يوم الخميس وخيّم الحزن على القدس فترة من الزمن، في وقت نُظّمت المظاهرات واشتعلت المواجهات في القدس وعدة محافظات أخرى بعد الحريق.

وأضاف "كان صديقي المقرب أحد من أطفأوا الحريق، وشاهدتُ بأم عيني ملابسه التي تعرضت لثقوب كثيرة بسبب انصهار الرصاص المسكوب على قبة المصلى من حرارة النيران وسقوطها للأسفل على من كانوا يطفئون السجاد والمنبر بالداخل".

السيد: أخذ السكان داخل أسوار المدينة على عاتقهم مسؤولية إطفاء الحريق (الجزيرة نت)

الرد بلجنة إعمار
كان مدير الأملاك الوقفية بالقدس والمسجد الأقصى ناجح بكيرات يبلغ من العمر في ذلك الوقت 12 عاما، لكنه يذكر تماما مشهد تعرض أيدي الكثير من المقدسيين لحروق بسبب استخدام أدوات بدائية في إخماد النيران.

وقال بكيرات للجزيرة نت إن ذلك اليوم كان مؤلما وبكت فيه قلوب الفلسطينيين قبل عيونهم، مؤكدا أن إشعال النار في هذا المكان بالتحديد هدفه حرق الذاكرة والهوية الإسلامي، فـ"منبر صلاح الدين الأيوبي يعد رمزا للتحرير، والتخطيط لحرقه كان بمثابة حرق فكرة تحرير القدس مرة أخرى".

وفي ردود أفعال الدول العربية والإسلامية، أشار بكيرات إلى اقتصار تجاوبهم حينها على تشكيل  لجنة إعمار، بعيدا عن أي ردة فعل كـالهبة لتحرير الأقصى وثأر الجيوش العربية لكرامتها لكنها كانت مخدرة، وفق تعبيره.

المصدر : الجزيرة