محمد أبو الفيلات-القدس

لم يكن من خيار أمام الحركة الصهيونية لحث اليهود على الهجرة إلى فلسطين من شتى أنحاء العالم، إلا الخيار الديني ليستنهض عزيمتهم ويتركوا حياتهم وأملاكم وأشغالهم في بلادهم التي ولدوا وترعرعوا ورسموا مستقبلهم فيها. "أرض الميعاد" كما سوقتها الصهيونية هي لليهود ومن حقهم.

بعد استكمال السيطرة على أرض فلسطين كاملة بعد النكبة عام 1948 والنكسة عام 1967، سعى المحتل لإيجاد ما يؤكد روايته التي يدعي بها أنه يملك تراثا وآثارا، ليتمكن من إقناع العالم بأحقيته في أرض فلسطين.

وبعد احتلال ما تبقى من القدس عام 1967، بدأ الاحتلال بهدم حارة المغاربة الواقعة جنوب غرب المسجد الأقصى، ثم أخذ بالحفر أسفل الرواق الغربي للمسجد الأقصى حتى أحدث نفقا كبيرا يمتد من المدرسة التنكزية جنوبا إلى شارع المجاهدين شمالا على طول الرواق الغربي للأقصى وبطول ما يقارب 330 مترا. 

خطط جاهزة
سرعة تنفيذ حفر النفق الغربي بعد احتلال مدينة القدس مباشرة تدل على خطط مبكرة جاهزة، كما يقول مدير السياحة والآثار في دائرة الأوقاف الإسلامية بالقدس يوسف النتشة، حيث بدأ حفر النفق بأمر من مؤسسة دينية تابعة لوزارة الأديان الإسرائيلية، ومن ثم تسلم الحفر مجموعة من علماء الآثار بسبب الاعتراض الدولي على أن يكون الحفر بغرض ديني. 

من الشروحات التي يتمّ فيها سرد الرواية اليهودية للتاريخ أسفل القدس (الجزيرة نت)

وترأس عملية حفر النفق تلك باحث في الآثار يدرس في الجامعة العبرية يدعى بنيامين مزار -وهو يميني الانتماء- والباحث مائير بن دوف. 

ويطلق الإسرائيليون على النفق الغربي أحيانا اسم نفق الحشمونائيم، حيث يحاول الاحتلال ربطه باسم إحدى الأسر اليهودية التي سكنت في فلسطين في القرن الأول قبل الميلاد، وعاشت تحت حكم ذاتي لم يتطور إلى أن يصبح دولة، كما يوضح النتشة. 

ويمر النفق الغربي أسفل عدد من المدارس الإسلامية الأثرية الواقعة في الرواق الغربي للمسجد الأقصى، كالمدرسة التنكزية والمدرسة الأشرفية والمدرسة البلدية والمدرسة الجوهرية والمدرسة المنجكية، كما يمر أسفل باب السلسلة وباب السكينة، وأسفل باب المطهرة ورباط الكرد، وأسفل سبيل قايتباي الذي يقع إلى الشرق من الرواق الغربي. 

في الحديث عن ارتفاع النفق، يقول يوسف النتشة للجزيرة نت إن ارتفاعات النفق تختلف من منطقة إلى أخرى بحسب طبوغرافية الأرض التي يمر فيها، حيث يرتفع في بعض المناطق مترين فقط، بينما يصل في مناطق أخرى إلى 25 مترا. 

أدى حفر النفق إلى ثقب عدد من آبار المياه أسفل الرواق الغربي للمسجد الأقصى، كبئر المدرسة التنكزية الذي ثقب بالكامل وأفرغ من مياهه، وكذلك بئر المدرسة العثمانية الذي صب بالخرسانة، إضافة إلى بئر سبيل قايتباي، وبئر رباط الكرد والمدرسة المنجكية، بحسب ما يقول مدير مركز المخطوطات رضوان عمرو للجزيرة نت. 

ويوضح عمرو أن النفق الغربي يتكون من ثلاثة عناصر رئيسية هي: الآبار والقنوات الصخرية وأساسات أبنية تعود للحقب القديمة حيث تبدأ من الفترة الرومانية والأموية فجميع الحقب الإسلامية، حيث احتاج سكان المدينة إلى بناء أساسات في كل حقبة زمنية لرفع مستوى الأبنية بدلا من بنائها في المنحدرات. 

أحدث بناء النفق تصدعات كبيرة في أبنية الرواق الغربي، حيث تفسخت جدران المدارس عن بعضها كما انهار درج دائرة الأوقاف الإسلامية، بالإضافة إلى انهيار في منطقة سبيل قايتباي، كما تخلخلت أساسات 16 معلما إسلاميا. 

أما بشأن ما يحاول الاحتلال تسويقه لزوار النفق، فيقول عمرو إن الزائر يتلقى شروحات داخل النفق توضح بناء الهيكل وهدمه وبناء المسجد الأقصى مكانه برواية إسرائيلية فيها إقصاء للآخر، تهدف إلى غسل دماغ المتلقي ودعم ادعاء حق اليهود في أرض فلسطين.

عمرو: أدى حفر النفق الغربي إلى ثقب عدد من آبار المياه أسفل الرواق الغربي للمسجد الأقصى (الجزيرة نت)

هبة النفق
يذكر عمرو أنه عندما افتتح الاحتلال النفق في 25 سبتمبر/أيلول 1996، خرج الفلسطينيون في هبة شعبية سميت بهبة النفق احتجاجا على حفره وافتتاحه، استمرت ستة أشهر وارتقى فيها مئة شهيد فلسطيني وأصيب 1600 آخرون بجروح. 

وعلى الصعيد الدولي، دانت منظمة اليونيسكو في حينه حفر النفق كون إسرائيل كيان محتل ولا يمكنه القيام بحفريات أثرية في المدينة بحسب القانون الدولي. 

يذكر أن الاحتلال قام بحفر تفريعات للنفق الغربي وصلت إلى حي القرمي الكائن غرب المسجد الأقصى، وكذلك تفريعات إلى الشرق وتفريعات إلى الشمال حتى وصلت مغارة الكتان بالقرب من باب العامود وتفريعات جنوبية وصلت إلى بلدة سلوان. 

المصدر : الجزيرة