أسيل جندي-القدس

لكل حجر في القدس حكاية ولكل معلم من معالمها تاريخ يروي قصص حضارات مرّت على مدينة تعيش واقعا حزينا، ومع ذلك يقصدها السياح من كافة أرجاء المعمورة، وتُشكّل التحف المعمارية فيها متعة بصرية دائمة لساكنيها وقاصديها.

من معالم القدس القديمة -وفي زواياها كثير من القصص التاريخية والآثار المميزة- كنيسة القديسة حنّة (الصلاحية)، وهي واحدة من الكنائس الصليبية النموذجية الواقعة شمال المسجد الأقصى على يمين الداخل إلى القدس القديمة من باب الأسباط.

ولهذا الموقع تاريخ حافل منذ أواخر العصر اليوناني حتى اليوم، إذ يضم بركة كبيرة تسمى بركة "بيت حسدا" وهي مكونة من حوضين تجمّع حولهما المرضى على مر العصور طلبا للشفاء من إله الطب الوثني سرابيوس أسكلابيوس آنذاك، كما ذُكر في الإنجيل أن المسيح عيسى عليه السلام ألقى مريضا مُقعدا منذ ثمانية وعشرين عاما في هذه البركة فشُفي.

أهمية تاريخية
واكتسبت الكنيسة ومساحتها نحو أربعة عشر دونما، أهمية خاصة بوضع القديسة حنّة السيدة مريم والدة عيسى عليه السلام في مغارة موجودة داخلها، ليصبح هذا الموقع محط اهتمام المسيحيين. وبُنيت في العهد البيزنطي كنيسة ضخمة فوق البركة لكنها هُدمت أثناء الغزو الفارسي، ثم أعاد الراهب مودستوس بناءها.

بأعلى الباب الأيمن نقش حجري بالعربية يعود لعهد صلاح الدين الأيوبي (الجزيرة نت)

وفي عهد الفرنجة تم بناء كنيسة صغيرة لذكرى شفاء المسيح للمريض المقعد فوق أنقاض الكنيسة البيزنطية، وأخرى كبيرة فوق المغارة التي يعتقد أن مريم ولدت فيها، وهي لا تزال تحتفظ بأصولها وتخطيطها الإفرنجي وتعتبر من أجمل كنائس فلسطين.

ويعود بناء أول كنيسة في هذا المكان إلى القرن الخامس الميلادي في عهد القديسة إيلوقيا ولا تزال الأعمدة البيزنطية التي حملت الكنيسة ماثلة حتى اليوم. وقد تعرضت هذه الكنيسة للهدم من قبل الفرس عام 614 كحال معظم الكنائس، ورممت للمرة الأولى في القرن السابع الميلادي.

ومن الموجودات الأثرية الواقعة داخل حدود الكنيسة حتى الآن الأحواض التي كانت تستخدم قديما لتجميع المياه، وتجويفات أخرى استخدمت أفرانًا لفصل القمح والشعير عن غذاء المواشي (البرسيم).

في عام 1187 عندما سيطر القائد صلاح الدين الأيوبي على القدس بعد انتصاره في معركة حطين، اتبع سياسة أسلمة المدينة من خلال تحويل الكثير من مبانيها إلى مدارس إسلامية تدرس العلوم الشرعية لاستقطاب أكبر عدد من المسلمين للمدينة.

وكانت كنيسة القديسة حنّة إحدى المباني التي حُوّلت في عهده إلى مدرسة، وأُطلق عليها اسم المدرسة الصلاحية نسبة له واختصت بتعليم الفقه الشافعي، وما زال النقش الذي وُضع أعلى باب الكنيسة ماثلا حتى اليوم.

بقي الطلبة يدرسون الفقه في الصلاحية حتى أواخر العهد العثماني، وكان يُعيّن في هذه المدرسة أعلم وأفضل المدرسين الفقهاء، وكان وقفها من أغنى أوقاف المدارس، وقامت بدور رائد في دعم الحياة الفكرية والفقهية في مدينة القدس، ثم هُجر المكان.

بقايا آثار بيزنطية ورومانية داخل حدود كنيسة القديسة حنة (الجزيرة نت)

تبعية فرنسية
في عام 1878 منح السلطان العثماني عبد الحميد الثاني الكنيسة عن طريق أحد ولاته بالقدس لإمبراطور فرنسا نابليون الثالث اعترافا بالجميل ومكافأة من الدولة العثمانية لفرنسا على موقفها من حرب القرم.

وقامت الحكومة الفرنسية بإهداء هذه الكنيسة لاحقا لـ"رهبنة الآباء البيض" وهي مؤسسة تبشيرية فرنسية أسسها الأب لافيجري الذي صبّ اهتمامه على تبشير الناس في جنوب أفريقيا، وألبس رجال الدين فيها ثيابا بيضًا ليتميزوا عن الآباء الفرانسيسكان، ويوجد تمثال وسط حديقة الكنيسة للأب لافيجري الذي أسس "الآباء البيض" في القرن التاسع عشر.

وتتبع الكنيسة حتى يومنا هذا للقنصلية الفرنسية ويعيش فيها أربع راهبات وعشرة رهبان أجانب يستبدلون بشكل دوري، ومن ضمن أنشطتهم في الكنيسة تنظيم دورات في علم اللاهوت بالإضافة إلى نشاطاتهم التبشيرية.

المصدر : الجزيرة