خليل التفكجي

خليل التفكجي

خليل التفكجي مدير الخرائط بجمعية الدراسات العربية

حدثت تطورات كبيرة خلال الأعوام القليلة الماضية في أعقاب ما أصبح يطلق عليه "الربيع العربي" والتغيرات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة، والمبادرات التي بدأت تطلق من هنا وهناك بخصوص أزمة الشرق الأوسط والحل الدائم، وإعادة المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين على أساس قرارات الشرعية الدولية وحدود عام 1967، مع مبدأ الأرض مقابل السلام، وتبادل متفق عليه للأراضي.
ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2011 قدم الفلسطينيون اقتراحا وافقوا فيه على تبادل ما نسبته 1.9% من أراضي الضفة الغربية مع إسرائيل. وهذا الاقتراح هو أحد مجموعة اقتراحات قدمتها السلطة الفلسطينية وإسرائيل والولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، بدأت باقتراحات قدمها الرئيس الأميركي السابق بل كلينتون تطورت إلى مفاوضات ثم إلى الموافقة العربية على تبني هذه الاقتراحات.
 
وعلى الرغم من الاختلافات التي برزت بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي حول مساحة الأراضي التي سيجري تبادلها، فقد تمحورت هذه المقترحات حول احتفاظ إسرائيل بالكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية التي تضم 15 مستوطنة يسكنها مائتا ألف مستوطن، وتسيطر على 35% من مساحة القدس الشرقية.
 
أما الكتل الكبرى الأخرى فإنها تمتد على طول الخط الأخضر وفي عمق الضفة الغربية، وتعتبر كتلة أرئيل شمال الضفة أخطرها بسبب عمقها وسيطرتها على المواقع الإستراتيجية من جبال ومفارق طرق.
 
الاستيطان والمبادرة العربية
يعتبر الاستيطان من وجهة القانون الدولي والشرعية الدولية غير قانوني. كما يعتبر نقل السكان جزءا من جرائم الحرب. وفي خطوة استباقية تقدم وفد متابعة مبادرة السلام العربية المنبثق عن مجلس وزراء الخارجية العرب بتعديل المبادرة، التي  تبنت موضوع تبادل الأراضي بين الطرفين، بغية إحراج إسرائيل والبدء في مفاوضات للوصول إلى حل شامل يهدف إلى إقامة دولة فلسطينية.
 
وحقيقةً طرحت فكرة تبادل الأراضي في فترات سابقة، بنسب معينة وأماكن معينة عام 2000. ويبدو أن العرب لم يأخذوا بعين الاعتبار الوقائع الجديدة التي فرضتها إسرائيل على الأرض منذ ذلك العام حتى الآن. فقد خلقت إسرائيل واقعا صعبا، واستطاعت أن تُسكّن أكثر من سبعمائة ألف مستوطن في الضفة الغربية والقدس. كما قامت بتوسيع مستوطنات جديدة، مستغلة ورقة الضمانات الأميركية، بأن الحقائق ستؤخذ بعين الاعتبار في المرحلة النهائية.
 
في نوفمبر 2011  قدم الفلسطينيون اقتراحا وافقوا فيه على تبادل ما نسبته 1.9% من أراضي الضفة (الجزيرة نت)
كما أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو امتنع عن التعقيب على المبادرة العربية المعدلة، لأنه لا يوافق على أن تكون حدود 1967 أساسا للمفاوضات. ويعتبر ذلك "تنازلاً مسبقا" من قبل إسرائيل قبل بدء المفاوضات. وكان نتنياهو قد صرح -دون التطرق إلى المبادرة العربية المعّدلة- بأن "الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين ليس صراعا على الأراضي فحسب، بل على حقيقة وجود إسرائيل كدولة يهودية".
 
أما تسيبي ليفني فمطلبها "ليس تبادل أراض (فحسب) وإنما تبادل سكان"، أي طرد السكان الفلسطينيين من وطنهم وسحب هوياتهم، وتخليهم عن جنسيتهم وتوطينهم في الدولة الفلسطينية المفترض قيامها على أساس حل الدولتين، وإلغاء حق العودة لأكثر من ستة ملايين فلسطيني.
 
وهذا ما يطالب به اليوم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قائلا "إن الصراع هو بسبب عدم رغبة الفلسطينيين في الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي"، مدعيًا أنه على الرغم من ذلك "فإن إسرائيل لا تضع شروطًا مُسبقة لتجديد المفاوضات مع الفلسطينيين".

لقد كانت الانعطافة التاريخية في قبول مبدأ تبادل الأراضي نتيجة لأخطاء تفاوضية من الجانب الفلسطيني بدأت بمنح المستوطنات الشرعية، ولأن هذه الكتل التي تقع في قلب الضفة الغربية سواء أكانت على رؤوس التلال أو حول مدينة القدس ضمن مشروع "القدس الكبرى" خلقت وضعا جغرافيا وديمغرافيا وسياسيا، أزالت به بشكل نهائي الخط الأخضر، وأصبح خط الرابع من حزيران غير مرئي على الواقع. وأصبحت الضفة الغربية مقطعة الأوصال دون تواصل جغرافي بين مدنها وقراها.

لقد وضعت إسرائيل مشروعها الاستيطاني ضمن إستراتيجية واضحة المعالم تماما مُنذ الاحتلال عام 1967 وحتى اليوم، ولن تتغير هذه الإستراتيجية في المستقبل، بل إن هذا المشروع أخذ يتطور بشكل كبير، وخاصة مع وجود الحكومة الحالية وهي حكومة المستوطنين لتحقيق حلم "مليون يهودي في يهودا والسامرة". وهذا الحلم يحبط تقسيم البلاد ويمنع مرة أخرى وإلى الأبد إقامة دولة فلسطينية.

وستكون مهمة نتنياهو المركزية اليوم الحصول على هدوء سياسي يُمكن إسرائيل من توسيع المستوطنات بكلفة ضئيلة من التنديد الدولي، ودون ضجيج إعلامي، على اعتبار أن جذر الصراع مع الفلسطينيين ليس مستوطنات الضفة وإنما "حيفا وعكا ويافا والقدس". 

ومشروع تبادل الأراضي بالنسبة إلى الإسرائيليين هو تنازل من جانب واحد، على اعتبار أن الكتل الاستيطانية حول القدس قد تم الاعتراف بها، وهي تعادل 10% من مساحة الضفة الغربية (5800 كم2) التي تضم كتلة معالية أدوميم، وكتلة جبعات زئيف، وغوش عتصيون، حيث أصبحت هذه الكتلة على أرض الواقع متماسكة ومرتبطة بأنفاق وجسور، وشوارع عريضة. أما كتلة اللطرون (موديعين) فقد تم تأسيسها عام 1990 بحيث أصبحت المنطقة ثانية أكبر مدينة بين القدس/وتل أبيب، وهي مرتبطة بشوارع عريضة وسكك حديدية وأنهت الخط الأخضر.

الكتلة الثالثة هي كتلة أرئيل مع كتلة الشمرون، وخطورة هذه الكتلة أنها تقسّم الضفة الغربية إلى قسمين شمالي وجنوبي، واستخدمت عام 2001 ولا تزال في منع الفلسطينيين من التنقل بين شمال الضفة الغربية وجنوبها. وهذه الكتلة هي بعمق (25 كم) وعرض (10 كم).

وقد تم ربط الكتلة الثالثة بمنطقة الساحل وغور الأردن بشارع عريض يسهل التنقل الأمني والمواصلات لليهود ويُمنع الفلسطينيون من استخدامه. وحقيقةً فإن هذه الكتلة ارتبطت بسكن اليهود الإيديولوجيين الذين يعتبرون أن الاستيطان  في المنطقة يأتي لأسباب دينية، وأكثر المستوطنين هم من المتدينين المتطرفين الذين أصبحوا في هذه الأيام أكثر جرأة على مهاجمة الفلسطينيين وحرق محاصيلهم الزراعية والاعتداء على ممتلكاتهم الشخصية.

أما البؤر الاستيطانية المشيدة على رؤوس الجبال فتهدف إلى منع التمدد العمراني العربي والسيطرة على المزيد من الأراضي، التي لم يتم استيطانها، ولكي تصبح هذه البؤر مستقبلاً جزءا من الحل.


الجدار والكتل
في خطوة متقدمة أقامت إسرائيل جدار الفصل لأسباب أمنية ظاهريا، ولكنه كان يرسم الحدود المؤقتة للدولة الفلسطينية. حيث ضم هذا الجدار الذي يعادل 10% من مساحة الضفة الغربية الكتل الاستيطانية الكبرى، بدءا من الشمال (كتلة الريحان)، وضمت كتلة أرئيل والأحواض المائية. وقد أخرج الجدار القرى الفلسطينية وأبقى أراضيها الزراعية.
 
وبالنظر إلى الجدار الغربي نلاحظ أن النقاط الإستراتيجية التي وضعها رئيس الوزراء الراحل أرئيل شارون قد تم تحقيقها على أرض الواقع، وهي أكبر مساحة من الأرض الفارغة وأكبر عدد من المستوطنات، وأقل عدد من السكان الفلسطينيين.
 
أما الجدار الشرقي في غور الأردن الذي يشكل 27% من مساحة الضفة الغربية، فقد كثفت إسرائيل في السنوات الماضية مشاريعها الاقتصادية والزراعية والسياحية في تلك المنطقة، وذلك ضمن خطة لإبقائها تحت السيطرة الإسرائيلية، وعدم التنازل عنها في أية مفاوضات مستقبلية، باعتبار أنها منطقة إستراتيجية هامة للدولة العبرية، إذ إن حدود غور الأردن -بحسب التخطيط الإسرائيلي- تشكل نقطة تواصل هامة للتجارة والسفر مع بقية دول المنطقة.
 
وهذا ما أورده أستاذ الجغرافيا السياسية "أرنون سوفير" من أن "غور الأردن مهم من الناحية الإستراتيجية، فالحدود مع الأردن تشكل نقاط تواصل هامة للتجارة والسفر مع بقية المنطقة، واستمرار السيطرة الصهيونية على قطاعات فيه ستعني أن الضفة الغربية ستبقى مطوقة من قبل "الدولة العبرية".
 
خريطة تبادل الأراضي في المفاوضات حول مناطق غير القدس (الجزيرة نت)
وفي خطابه قبيل الانتخابات الأخيرة قال نتنياهو "أما مصير باقي المستوطنات الواقعة خارج الكتل الاستيطانية الباقية فسيكون في المفاوضات، وفي جميع الأحوال أنا لن أقتلع مستوطنات، هذا الأمر لن يحصل".
إذًا هذا هو الجواب على المبادرة العربية وتبادل الأراضي، دولة مستوطنات بالضفة الغربية حدودها الجغرافية غير نهائية، تتوسع حسب برنامج واضح وُضع عام 1979، بحيث يصل عدد المستوطنين إلى مليون مستوطن، وتجمعات عربية محاصرة بالشوارع والاستيطان ومقطعة الأوصال، هي محصلة ما ستؤول إليه المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تمسك إسرائيل بمفاتيح الدخول والخروج منها، ليس لها مستقبل اقتصادي أو سياسي، معتمدة على حسن النيات الإسرائيلية والمنح الأوروبية والأميركية.


الكتل المتفق عليها
تشكلت الكتل الاستيطانية التي أقامتها إسرائيل بالضفة الغربية -وخاصة ضمن مشروعها العام بإزالة الخط الأخضر أي حدود عام 1967- باستغلال مجموعة كبيرة من القوانين بدءا من الفترة العثمانية والإنجليزية والأردنية والأوامر العسكرية، بغية نقل الأراضي من أملاك خاصة إلى أملاك تحت السيطرة الإسرائيلية، وتحويلها إلى الإدارة العسكرية، للبدء في البناء دون معوقات قانونية، فكانت قوانين المصادرة للمصلحة العامة أهم هذه القوانين للسيطرة على أراضي القدس.

وفي الوقت نفسه كانت إسرائيل تقيم المستوطنات خارج حدود بلدية القدس باستخدام قانون أملاك الدولة، فأعلنت ما يزيد على 40% من مساحة الضفة الغربية أملاك دولة وأقيمت المستوطنات عليها، حول القدس أو بالقرب من المدن الفلسطينية الرئيسية، أما في الأغوار فكان قانون المناطق المغلقة عسكريا ولأسباب أمنية سببا في السيطرة على 27% من مساحة الأغوار، وأقيمت المستوطنات في هذه المناطق لأسباب أمنية لتحقيق أهداف سياسية.

وفي عام 1990 جاءت سياسية شارون بإقامة ما يسمى آنذاك (مشروع النجوم الخمسة) لإقامة مدن كبرى داخل الضفة الغربية وفوق الخط الأخضر، لتصبح اليوم هذه المستوطنات كتلا استيطانية ضخمة، أُسكن فيها آلاف المستوطنين الذين شكلوا كتل برلمانية متعصبة، أصبحت تنادي بعدم الخروج من الضفة الغربية والقدس.

وأصبحت للمستوطنين الذين يشكلون 5% فحسب من مجموع سكان الدولة العبرية اليد العليا في تقرير مصير الحكومات الإسرائيلية في بقائها أو سقوطها. وأصبحت الكتل الاستيطانية التي تم الاتفاق عليها تتوسع ضمن مخطط يقوده اليمين الإسرائيلي، الذي يرى أن الدولة الفلسطينية ليست في الضفة الغربية بل في مكان آخر.

مقابل الكتل
مقابل المستوطنات التي سيتم ضمها إلى إسرائيل سيتم توسيع مناطق من داخل الخط الأخضر واقعة في حدود عام 1948.

-قرى مزالة: هذه المناطق تقع في الجهة المقابلة من قرى العرقوب (نحالين، حوسان ، بتير، وجميعها غرب بيت لحم) في مناطق القرى الفلسطينية التي تمت إزالتها عام 1948 (أراضي قرى القبو، راس أبوعمار، علار).

-منطقة جنوب عرب الخليل: تم التركيز على هذه المنطقة لتقليص المساحة بين الضفة الغربية وقطاع غزة بخصوص الممر الآمن (سكة حديد، أو طريق معبد، أو نفق) وبالتالي فإن المنطقة الممتدة من قرى (بيت جبرين، القبيبة) حتى طريق (عراق المنشية) تصل حتى (عرب الرماضين، الدوايمة).

-منطقة غزة: كان الهدف الرئيسي في هذه المنطقة هو زيادة مساحة قطاع غزة باتجاه الشرق، خاصة أن المنطقة قليلة المستوطنات بالإضافة إلى وجود قرى فلسطينية مهدمة (بدءًا من قرية هوج حتى قرية المعين)، وتقليص المساحة الفاصلة ما بين قطاع غزة والضفة الغربية.

-منطقة شمال الضفة الغربية: وتشمل مناطق محميات طبيعية وبعض القرى الفلسطينية (سالم، زلفة).

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك