محمود الفطافطة-رام الله

تظهر دراسة حديثة التغييرات المهمة في الموقف الإسرائيلي حكومة ومجتمعا خلال السنوات الأخيرة، بشأن كل ما يتعلق بـالمسجد الأقصى ومسألة دخول اليهود إليه والصلاة فيه وبناء ما يُسمى "الهيكل الثالث".

"سياسة إسرائيل تجاه الأقصى" دراسة أعدها د. محمود محارب من جامعة القدس لصالح المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تشير إلى أن الحركات الدينية اليهودية تستند في دعوتها إلى تدمير مسجديْ الأقصى وقبة الصخرة وبناء "الهيكل الثالث" إلى قوة إسرائيل العسكرية في الأسلحة التقليدية والنووية، وأن إسرائيل باتت تملك من القوة التي تمكنها من بناء "الهيكل الثالث" وإزالة المسجدين، وأن الثمن الذي ستدفعه في حال قامت بذلك لن يكون مرتفعا، وبإمكان إسرائيل تحمله.

تغيرت فتاوى الحاخامات على مدى عقود من تحريم اقتحام الأقصى إلى وجوب اقتحامه (الجزيرة نت)

فتوى التحريم
وتعود الدراسة المنشورة في مارس/آذار الماضي إلى مسألة تحريم الشريعة اليهودية دخول اليهود إلى الحرم الشريف الذين يُطلقون عليه "جبل الهيكل" بسبب وجوب الحفاظ على طهارة المكان الذي كان فيه الهيكل -وفق زعمهم- وعدم تنجيسه بدخول اليهود إليه من دون التطهر من النجاسة.

وتظهر الدراسة أنه بعد ثلاثة أيام من احتلال الأقصى عام 1967 أصدر مجلس الحاخامية الرئيسة في إسرائيل فتوى دينية أكد فيها تحريم دخول اليهود إلى الحرم لأسباب دينية يهودية، وفي بداية الاحتلال للقدس فرض وزير الأمن موشيه ديان "وضعاً قائماً" جديدا بشأن الأقصى تقرر بموجبه أن يكون حائط البراق مكانا لصلاة اليهود، وأن يبقى الأقصى مكانا لصلاة المسلمين وحدهم وتحت إشراف الوقف الإسلامي. ولكنه في الوقت نفسه منح اليهود حق الدخول للأٌقصى في الساعات المخصصة لدخول السياح الأجانب.

هذا "الوضع القائم" وتغييره تم اختراقه طوال العقود الماضية -كما تفيد الدراسة- على يد جماعات يهودية كثيرة. ففي العقدين الأخيرين أخذ هذا الوضع يتآكل لمصلحة حركات الهيكل.

وتلفت الدراسة إلى ما شهدته إسرائيل منذ منتصف الثمانينيات من نشاط سياسي وديني وجماهيري وإعلامي بشأن دخول اليهود إلى المسجد والصلاة فيه كمقدمة لبناء "الهيكل" في الحرم.

ففي عام 1990، جرى تأسيس "لجنة حاخامات مجلس المستوطنات" في المناطق الفلسطينية المحتلة التي أدت دورا مهما بشأن تغيير هذا الوضع.

ويوضح محارب في دراسته أنه في أعقاب توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 ازدادت الخشية لدى اليمين الإسرائيلي من أن تؤدي العملية إلى انسحاب إسرائيل من أجزاء واسعة من المناطق المحتلة وإعادة الحرم إلى الفلسطينيين. وفي هذه الفترة قامت حركات الهيكل بنشاط واسع في هذا المجال.

وفي 1996 -يتابع الباحث- أصدرت "لجنة حاخامات مجلس المستوطنات" فتوى دينية أكدت فيها أنه ليس فقط من المسموح لليهود دخول الحرم، وإنما يجب أن يحث كل حاخام أتباعه على دخوله.

ومنذ صدور هذه الفتوى، ازداد عدد الحاخامات الذين دعوا إلى دخول اليهود للحرم. وفي السنوات القليلة الماضية ازدادت أعداد اليهود الذين يدخلون الحرم بغرض الصلاة فيه وتثبيت السيادة اليهودية عليه، وفرض أمر واقع جديد فيه.

وتتطرق الدراسة إلى دور القضاء الإسرائيلي في تغيير هذا الوضع، إذ شهد تغييرا في موقفه من الأقصى وجماعات الهيكل، وأن المحكمة العليا الإسرائيلية درجت حتى منتصف الثمانينيات على عدم الاستجابة لطلب هذه الجماعات بدخول الأقصى، ورفضت إصدار الأوامر بتطبيق "قانون الأماكن المقدسة".

بيد أن المحكمة غيرت من توجهها أواخر العقد، لتؤكد أن من حق اليهود دخول الحرم والصلاة فيه استنادا إلى القانون نفسه.

الدراسة تجزم بأن مقاومة الفلسطينيين مهمة لكنها غير كافية لصد أطماع الاحتلال (الجزيرة نت)

نشاط الكنيست
أما الكنيست -تستنتج الدراسة- فشهد في الأعوام الأخيرة نشاطا مكثفا في توسيع "الوضع القائم". ففي عامي 2013 و2014 ناقش 14 مرة موضوع "جبل الهيكل" مقارنة مع أربع مرات فقط طوال العقد الذي سبق ذلك. وترافق ذلك مع دعوات العديد من الوزراء بالسماح لليهود الدخول إلى الحرم ورفع العلم الإسرائيلي فوقه.

وتخلص الدراسة إلى أن مقاومة الفلسطينيين لا سيما المقدسيين وتصديهم المستمر للاعتداءات الإسرائيلية على الأقصى مهم جدا، ولكنه لا يكفي وحده لحماية الحرم، وما لم تضع الدول العربية والإسلامية إستراتيجية واضحة تستند إلى جميع العوامل الكفيلة بجعلها تدفع ثمنا لا يمكنها تحمله، فسوف تستمر الحركات اليهودية والمجتمع الإسرائيلي وحكومته في السير نحو تغيير الوضع القائم وتهويد الأقصى.

المصدر : الجزيرة