ميرفت صادق-الرام (شمال القدس)

مساء الثلاثاء، كانت الأم وفاء الطباخي تنتظر صغيرها محيي الدين ليعود لها بربطة خبز من البقالة القريبة في الحي الجنوبي لبلدة الرام شمال القدس المحتلة، لكن رصاصة إسرائيلية أصابت قلبه ولم يعد إلا جثة هامدة في اليوم التالي.

أما الأب فعاد من عمله مساء بعد أن بلغه خبر إصابة طفله الأصغر بين خمسة أبناء، وأُخبر أنه ذهب لشراء الخبز، لكن المنطقة كانت تشهد كالعادة مناوشات بين قوات الاحتلال التي تبني جدارا عازلا يفصل منطقة الكسارات في الرام عن القدس جنوبا، وبين عدد من الفتية الذين رشقوها بالحجارة.

يقول والد محيي الدين إن ابنه أصيب بعيار مطاطي في صدره، وبلغه أنه قتل على الفور، وبينما يحاول حبس دموعه يقول إن الحي بأكمله يعاني من مضايقات قوات الاحتلال وإطلاقها الغاز المدمع والعيارات المعدنية يوميا على الفتية والمنازل.

"محيي عايش"
وقبل أن يصل الوالد لابنه، كانت سيارة إسعاف قد نقلت الصغير إلى مجمع
فلسطين الطبي في رام الله، وهناك لم تفلح محاولات الأطباء لإنعاش الطفل الذي توقف قلبه منذ إصابته.

والد الطفل الطباخي رفض تشريح الجثمان وقال إن جريمة الاحتلال واضحة ولا تحتاج لإثبات (الجزيرة)

دون جدوى، استجدى الأب الأطباء كي يعيدوا الروح لابنه، وأقسم "محيي عايش تعالوا شوفوا". وكان محيي ملفوفا بغطاء طبي أزرق وقد تجمّل بتسريح شعره في مساء استشهاده.

رفض والد محيي الدين تشريح جثمانه، وقال إنهم قتلوه عن سابق إصرار ولا داعي لإثبات ذلك. وصبيحة أمس الأربعاء عاد الأب لاستلام جثمان ابنه -الذي قال الأطباء إنه تعرض لإصابة قوية جدا في الجهة اليسرى من الصدر أدت إلى توقف قلبه- وقال "محيي شبل جدع وهكذا استشهد".

ووفق مصادر محلية في بلدة الرام، استهدف جنود الاحتلال الطفل الشهيد برصاصة يسميها الأهالي "مطاطية أسطوانية" ذات حجم كبير، ضربت صدره دون أن تخترقه وأدت إلى استشهاده.

وحسب والد الطفل، الذي كان سيلتحق بالصف الخامس بعد شهر، فإن رصاصة مشابهة اخترقت قبل شهور زجاج منزله عندما كان جنود الاحتلال يقمعون راشقي الحجارة المحتجين على بناء الجدار الإسمنتي قرب منازلهم.

وحسب مصادر البلدة، فإن جنود الاحتلال بدؤوا باستخدام هذا النوع من الرصاص، الذي يشبه إلى حد كبير قنبلة صغيرة ذات رأس إسفنجي، أثناء قمع المظاهرات التي اندلعت عقب استشهاد الفتى محمد أبو خضير الذي قضى حرقا على أيدي المستوطنين في صيف 2014.

يفيد صديق الشهيد الفتى فايز شوامرة من سكان الحي بأن آليات الاحتلال كانت تحفر الشارع، وكان محيي يتحرك في المنطقة منذ ساعات الظهيرة وأثناء مناوشات مع جنود الاحتلال سقط الطفل وحاولت دورية عسكرية الوصول إليه لكن الشبان سبقوها بنقله إلى مركز الإسعاف.

مئات المقدسيين يشيعون جثمان الطفل الطباخي بعد ظهر أمس (الجزيرة نت)

"ما تخافي"
أما كفاح الحلاق، التي تسكن قريبا من منطقة المواجهات، فكانت آخر من تحدث معه. وقالت "ناديته كي يعود إلى البيت لكنه رفض، قلت له روح ع البيت من المواجهات، قال ما تخافي لم أصب ولا مرة واحدة".

وقالت إن الحي كله كان يغرق بالغاز وقاموا بقنصه مباشرة "رأيناه يسقط بعد استهدافه"، أما شقيقه الأكبر فيختصر المأساة بقوله "كنا خمسة إخوة والآن أربعة.." وبكى.

وانضم محيي الدين الطباخي إلى نحو 50 طفلا فلسطينيا قتلهم الجيش الإسرائيلي في الشهور العشرة الأخيرة أثناء مواجهات مباشرة مع قواته أو بتهمة محاولة تنفيذ عمليات طعن لإسرائيليين.

المصدر : الجزيرة