أسيل جندي-القدس

قريبا من باب الغوانمة أحد أبواب المسجد الأقصى، تتربع الزاوية الأفغانية على مساحة دونم ونصف، لتشكل مساحة للخلوة أسوة بتكايا وزوايا أخَر أنشئت في العهد العثماني.

أنشأ الزاوية الأفغانية وأوقفها والي القدس العثماني محمد باشا وذلك عام 1043هـ، وخُصصت لاستقبال وإيواء الحجاج الأفغانيين الذين كانوا يتوافدون بالآلاف سنويا للإقامة بالقدس في طريق ذهابهم أو عودتهم من فريضة الحج.

حضور تاريخي
جعل الأفغانيون مدينة القدس محطة لهم في رحلة العبادة، كما خصصت عدد من الزوايا للشعوب الإسلامية الأخرى في زمن الدولة العثمانية بينها: الزاوية البُخارية والزاوية الهندية والزاوية الأفريقية والزاوية المغربية وغيرها من زوايا البلدان والشعوب التي تنافست قديما على وضع موطئ قدم لها في مدينة القدس.

النقش الحجري الموجود أعلى مدخل الزاوية الأفغانية يوثق تاريخها (الجزيرة نت)

نشأت الزاوية عندما كانت أفغانستان تابعة للخلافة العثمانية، فكان الأفغان يزورون فلسطين بحرية تامة دون إذن، وتركز وجودهم قبل النكبة عام 1948م في مدينة يافا، لكنهم انتشروا لاحقا في عدة مدن كنابلس وقلقيلية والقدس التي استمر وجودهم فيها حتى يومنا هذا.

حافظت الزاوية الأفغانية على نسيجها المعماري العثماني القديم مع إجراء بعض الترميمات، ويعتبر مدخلها متواضعا مقارنة مع غيرها من أبنية القدس التاريخية، ويعلوه نقش ذُكر فيه اسم الزاوية ومؤسسها وتاريخ بنائها.

يؤدي المدخل عبر ممر قصير إلى ساحة مستطيلة زُرعت فيها أشجار ونباتات متنوعة، وتحيط بهذه الساحة من الجنوب والغرب اثنتا عشرة غرفة خُصصت لإيواء الحجاج قديما وللخلوة الصوفية، بالإضافة إلى مطبخ كبير تعلوه مدخنتان حجريتان ضخمتان، وقد تحول إلى ديوان يجتمع فيه المتصوفون.

تحتوي الزاوية على مسجد معلق يقع شرق المدخل يُصعَد إليه بواسطة درج، وتعلوه مئذنة وقُبتان تظهر خلفهما مئذنة باب الغوانمة إحدى مآذن المسجد الأقصى.

سكنت أسر من عائلة الأفغاني الموجودة حاليا في القدس مدة طويلة داخل الزاوية، لكنها قررت تفريغها حاليا للتصوف فسكنت في منازل البلدة القديمة القريبة منها.

وتقيم الزاوية الأفغانية ثلاثة احتفالات دينية سنويا بمناسبة رأس السنة الهجرية والمولد النبوي الشريف وذكرى الإسراء والمعراج، وتفتح أبوابها طيلة شهر رمضان المبارك للمصلين والمعتكفين للتخفيف من الضغط على مصليات المسجد الأقصى ودورات المياه فيه.

ويطلق على الزاوية أيضا اسم الزاوية القادرية نسبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني مؤسس الطريقة الصوفية القادرية في العالم الإسلامي، وكان من بين المشايخ القدامى الذين مروا على الزاوية الحاج عبد الله بن رحمدل شاه الأفغاني وهو من أصل تركي ولد في مدينة قرباغ غزني في أفغانستان عام 1890م، وتولى مشيخة الزاوية الأفغانية بمدينة القدس عام 1938م وترأسها حتى تُوفي عام 1979م.

غرف داخل الزاوية الأفغانية كانت مخصصة لإيواء الحجاج (الجزيرة نت)

احتفالات ومدائح
ويحافظ المتصوفون على إقامة نشاطين دينيين أسبوعيا، إذ يلتقون مع شيخ الزاوية الحالي عبد الكريم الأفغاني، ويُنظّمون حلقات للذكر والأناشيد الدينية والمدائح النبوية والدروس العلمية، ويحرص المشاركون فيها على خصوصية هذه الحلقات إذ يُمنع خلالها التصوير واستقبال وسائل الإعلام بشكل نهائي، كما يرفض أعضاء هذه الزاوية تصويرهم في أي لقاء صحفي.

يتراوح عدد المتصوفين في الزاوية بين 200 و300، ويصل عدد المشاركين في الاحتفالات السنوية داخل الزاوية إلى آلاف ويُسمح للسياح الأجانب بحضورها، وتعتبر عائلة الأفغاني المسؤولة الوحيدة عن هذه الزاوية الوقفية، واستمر مشايخ العائلة على رعاية المكان وإعماره وإشغاله جيلا بعد جيل.

المصدر : الجزيرة