أسيل جندي-القدس

اضطرت الخمسينية سهام التتري من سكان شارع الجلاء وسط قطاع غزة لترك بيتها ومرافقة حفيدها إلى مستشفى المقاصد بالقدس، في رحلة علاج قد تنتهي بموت الحفيد سراج الذي وُلد منذ أسبوعين فقط.

قُدّر للطفل سراج أن يُولد بقلب مشوه يحتاج سلسلة عمليات جراحية لا يمكن إجراؤها في مستشفيات قطاع غزة، ليس هذا فحسب بل منعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي والدته أو والده من مرافقته في رحلة علاجه أيضا لصغر سنهما، بينما سمحت للجدة المصابة بمرض السرطان بمرافقته لتتضاعف معاناة العائلة.

"لم يكن أمامنا خيارات فإما ننتظر الفحص الأمني لوالد ووالدة سراج ونحن نعلم مسبقا أن الاحتلال سيرفض خروجهما من القطاع وفي هذه الحالة نخسر طفلنا، وإما أكابر على مرضي وأرافقه واخترت ذلك بالطبع"، هذا ما قالته الجدة سهام التتري.

قهر المرض
وأضافت سهام أنها تشعر منذ إصابتها بمرض السرطان قبل ثلاث سنوات بالذل والقهر بسبب اضطرارها للسفر عدة مرات إلى مصر والضفة الغربية والقدس لتلقي العلاج، مشيرة إلى أن أقصى ما يتمناه الغزيون هو بناء مستشفى بتخصصات متعددة وإمكانيات عالية لتجنيب سكان القطاع معاناة السفر إلى الخارج بهدف تلقي العلاج.

الطفل عبد الله مخيمر مصاب بالسرطان ويرقد بمستشفى المطلع في القدس (الجزيرة نت)

وكان يُفترض أن تقيم سهام التتري حفل زواج ابنها الأصغر في منزلها بغزة يوم 24 يوليو/تموز الحالي، لكن شاءت الأقدار أن يُولد سراج وتضطر لمرافقته في رحلة علاجه إلى القدس، وقد يمنعها ذلك من حضور زفاف ابنها أو الاضطرار لتأجيل موعده.

وليس بعيدا عن مستشفى المقاصد، يرقد الطفل الغزي عبد الله مخيمر (12 عاما) المصاب بمرض السرطان على سرير الشفاء في مستشفى المطلع بالقدس، وبدأت رحلة علاجه في المدينة منذ فبراير/شباط الماضي بمرافقة جدته أيضا بعد رفض الاحتلال منح والديه تصاريح دخول إلى القدس.

وفي حديثه للجزيرة نت قال مخيمر إن "الورم الخبيث قضى على رجلي اليسرى واضطر الأطباء لبترها، لكنني أتلقى الآن جرعات العلاج الكيميائي، وأتمنى الشفاء حتى أعود إلى مدرستي وحضن والديّ اللذين افتقدتهما كثيرا عندما استيقظت من التخدير بعد عملية بتر رجلي".

وحسب مدير مركز علاج ورعاية مرضى السرطان في مستشفى المطلع بالقدس يوسف حمامرة، فإن نسبة مرضى غزة الذين يتلقون علاجا لأمراض السرطان المختلفة في المستشفى تتجاوز 50%، وارتفع عدد مرضى العلاج الإشعاعي من ستين مريضا يوميا إلى 110، أكثر من نصفهم من القطاع.

وتابع حمامرة أن المستشفى يستقبل حالات سرطان غريبة من غزة تبدأ بأعمار صغيرة ويتم اكتشاف نوعين إلى ثلاثة من الأورام الخبيثة لدى نفس المريض، مضيفا أن الموت أقرب الأقدار التي تنتظر المرضى في حال بقائهم بغزة دون علاج.

وبسبب إجراءات خروج المرضى المعقدة من القطاع فقد يُشخص مرض السرطان في مرحلته الأولى، ومع وصول المريض لتلقي العلاج بالقدس يكون المرض قد وصل المرحلة الرابعة بانتشار الورم في الجسم أو تضاعف حجم الكتلة السرطانية التي اكتُشفت مبكرا.

الطفلة سوار أبو زهري من رفح برفقة جدتها بعدما مُنعت التصاريح عن والديها (الجزيرة نت)

دعم نفسي
وتطرق مدير مستشفى المطلع بالقدس وليد نمور إلى أهمية تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمرضى الذين يتم تحويلهم من الضفة الغربية وقطاع غزة، خاصة أنهم يمكثون فترات طويلة لتلقي العلاج في القدس، مشيرا إلى أن انسجام البيئة المقدسية مع العادات والتقاليد في المحافظات الفلسطينية الأخرى يساعد المرضى على اجتياز مرحلة العلاج باطمئنان.

وأضاف نمور أن "التحدث مع المرضى باللغة العربية يُشعرهم بالارتياح، على عكس أولئك الذين يتم تحويلهم إلى المستشفيات الإسرائيلية حيث يواجهون الكثير من المعيقات، أولها عدم إتقانهم اللغة العبرية وصعوبة التواصل مع الأطباء والممرضين".

ويُوفر مستشفى المطلع لمرضى السرطان من غزة ومرافقيهم الإقامة في فندق جبل الزيتون القريب من المستشفى طيلة فترة العلاج حتى يُجنبوهم عناء السفر من وإلى القطاع.

ووفق مدير مستشفى المقاصد الخيرية رفيق الحسيني فإن مستشفى المقاصد يستقبل ثلاثة آلاف مريض غزي سنويا ممن يعانون من حالات مرضية معقدة، ويمكثون فترات طويلة للعلاج، بينما تصل نسبة أطفال غزة في قسم قلب الأطفال 40%.

المصدر : الجزيرة