عوض الرجوب-رام الله
 
يلخص الروائي والكاتب المقدسي إبراهيم جوهر العلاقة بين المحتل والثقافة بأنهما "ضدان لا يلتقيان"، ويؤكد أن ذلك ألقى بظلاله على الحركة الثقافية الفلسطينية عموما، والمقدسية خصوصا.
 
وأشار في حديثه للجزيرة نت إلى التقصير العربي تجاه القدس ومؤسساتها الثقافية الملاحقة من قبل الاحتلال، وفي المقابل جهاد المثقفين المقدسيين قدر المستطاع للحفاظ على ما تبقى من هوية ومؤسسات ثقافية.
 
ويشدد جوهر على أن الاحتلال والثقافة "أحدهما نقيض الآخر وبديله"، مؤكدا أن الثقافة لا تقبل "القيود ولا القمع ولا التغييب والتغريب"، وهي مكوّنات -قال إنها- تشكل جميعها صلب معنى الاحتلال "الذي لا يكتفي بالقمع الخارجي بل يغوص ليمحو الهوية الثقافية بأبعادها وعناوينها، التي تتمحور حول الانتماء والعطاء والحرية والتقدم الحضاري الإنساني".

تغريب وتشويه
يوضح الكاتب المقدسي أن الاحتلال يسعى لإحلال ثقافته الاحتلالية بما فيها من تغريب وتشويه وإلغاء ومصادرة، ومقابل ذلك تحاول الثقافة الوطنية -بالمتاح لها من أصالتها وأبنائها- أن تصدّ أمواج هذا الطوفان، مستندة إلى قوّة الحق والتاريخ في مواجهة القوة القهرية الاحتلالية.
 
وأشار إلى محاصرة الاحتلال الإسرائيلي للقدس ثقافة وحضارةً بأوامر المنع والتقييد والاشتراط، مؤكدا محاصرة كل شيء ومنعه "حتى مهرجانات الأطفال والمسرحيات الجماهيرية والأعمال الفنية التي يشتمّ منها روح التعبئة والتوجيه والانتقاد".
 
وتابع أن جدار العزل الإسرائيلي "أطبق الحصار الجغرافي على المدينة، فحجب زوارها وعشاقها ممن كانوا يعمرون أنشطتها الثقافية"، لافتا إلى حصار آخر داخل القدس بالمكعبات الإسمنتية الضخمة، التي تسدّ مداخل الأحياء المقدسية "لتظل القدس وشوارعها خالية تنتظر خطوات الذين عهدتهم وعرفتهم يجوبونها بعشق وانتماء".
 
ويقول الكاتب المقدسي إن المثقفين في القدس يحاولون إحياء الحياة الثقافية قدر المستطاع، لكن "ذلك غير كاف لمدينة بحجم القدس ومكانتها"، موضحا أن جهود هؤلاء في أغلبها جهود فردية، وذاتية الدافعية، وبعيدة عن التخطيط الإستراتيجي "لأن المدينة قد تم تحييدها وإقصاؤها وحتى تناسيها".
 
وشدد على أن "التصدي بالثقافة" مشروع ثقافي ينتظر من يخطط له ويرسم أهدافه وآليات تنفيذه، وهو ما يتطلب إمكانات بشرية ومادية ولوجستية ليس المثقف الفرد قادرا عليها.

مناقشة مجموعة قصصية في مسرح الحكواتي بالقدس (الجزيرة)
مؤسسات ناشطة
ورغم الصورة القاتمة للحالة الثقافية في القدس، يقول جوهر إن في القدس عدة مؤسسات كانت قبل اتفاق أوسلو أكثر فعالية وحضورا، موضحا أن الاتفاقية "بدهاء وخبث استثنت القدس من الحل لتظل تحت السيطرة الاحتلالية".
 
وأشار إلى وجود مركزين ثقافيين للمسرح والندوات وعرض الأفلام والدبكة الشعبية التراثية والمطوّرة هما مسرح الحكواتي ومركز يبوس الثقافي، في حين تقوم بعض المدارس باستغلال مسارحها المدرسية للثقافة الشبابية.
 
ويبدي جوهر ارتياحه للمبادرات الشبابية، التي قال إنها بدأت في السنوات القليلة الماضية تبادر وتخطط، مشيرا إلى "مبادرة شباب البلد" التي نظمت أطول سلسلة قارئة حول سور القدس، وعدد من فرق الدبكة والعمل الثقافي الشبابي.
 
وتحدث عن حضور متواصل لندوة اليوم السابع الثقافية المقدسية، التي يديرها وبدأت عملها في مارس/آذار 1991، وهي مستمرة أسبوعيا في مناقشة كتب وأفلام ومسرحيات وغيرها.
 
وعن الدور العربي إزاء مؤسسات القدس الثقافية، قال إن المؤسسات الثقافية المقدسية مهمّشة ومغيّبة عن الدعم العربي بموازاة دعم فلسطيني شحيح يكاد لا يسد الرمق.
 
وشدد على أن الثقافة ليست مشروعا مربحا ماديا يعطي أرباحا سريعة، بل هي بناء إنسان منتم يعطي عطاءه بعد عدد من السنوات، ويحفظ روح البلد ويحرس أحلامها، وكلما صفت النوايا وصدقت ازدهرت الثقافة.

فعالية ثقافية في مسرح الحكواتي (الجزيرة)
إلهام القدس
وأوضح أن للقدس أثرها في عدد من كتابات المعنيين والمتابعين، وصارت حينا عنوانا لإطلاق الحياة والإبداع، وحينا آخر هي مجرد شعار يرفع رفعا للعتب، وحينا تكون سطرا على الهامش، وحينا تغيب لتحضر البدائل التغريبية.
 
وشدد على أن القدس لا تنتظر قصائد باردة، بل عملا صادقا يبني، مؤكدا أن أبناء القدس وحدهم من المبدعين والمبدعات من يتحدّون تغييبها بزيادة تسليط الأضواء عليها، "فنقلوا دقائقها ووحدتها وغربتها وماضيها وواقعها، واستشرفوا مستقبلها، وواصلوا التمسك بأحلامهم فيها وحولها".
 
وقال إن القدس تحضر أحيانا في كتابات كاملة تتمحور حولها، وأحيانا أخرى تبرز بروزا لافتا، كما هي في المسرح والرواية والقصة والقصيدة واليوميات والسيرة.

المصدر : الجزيرة