حاوره في بلدة جت: محمد محسن وتد

شملت سياسة الإبعاد عن الأقصى التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي في اليوم الثاني من شهر رمضان الشيخ محمد عارف وتد رئيس الهيئة العليا لنصرة القدس والأقصى الحديثة التأسيس، وذلك بعد مضي نحو أسبوعين على تأسيس الهيئة.

وكشف وتد، وهو من قرية جت في المثلث شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، في حواره مع الجزيرة نت عن إبعاد 500 فلسطيني عن المسجد الأقصى خلال شهر رمضان الحالي، وتطرق إلى حظر الحركة الإسلامية، ودور الهيئة العليا التي يرأسها وأهدافها، غير مستبعد استمرار التضييق عليها.

وأكد أن المؤسسة الإسرائيلية تسابق الزمن لفرض مخطط التقسيم الزماني والمكاني لساحات المسجد الأقصى، في الوقت الذي تواصل فيه مخططاتها لفرض السيادة الاحتلالية على القدس.

وفيما يلي نص الحوار كاملا:

 بداية كيف تقرأ إشهار إسرائيل سلاح الإبعاد للفلسطينيين عن القدس والأقصى؟

من أساليب الحرب التي يشنها الاحتلال على القدس والأقصى، اعتماد سياسة الإبعاد الخاص والعام، فالإبعاد الخاص من خلال إبعاد وعزل شخصيات وقيادات لها تأثيرها على نطاق حضورها ووجودها وحديثها.

وأما الإبعاد العام على نطاق العموم فهو منع المصلين من الوجود والرباط بالمدينة المقدسة سعيا من المؤسسة الإسرائيلية لتحقيق فكرة مشروع التقسيم الزماني والمكاني لساحات الحرم القدسي الشريف، بيد أن هذه الممارسات لا تؤثر إطلاقا على قناعات وإيمان ومبادئ الفلسطينيين مهما تمادى الاحتلال بوسائل القمع.

الإبعاد يمثل أسلوبا من أساليب الحرب التي يشنها الاحتلال على القدس والأقصى، وذلك عبر اعتماد سياسة الإبعاد الخاص والعام

 ما تفسيرك لقرار إبعادك عن الأقصى؟ وما الأهداف من وراء ذلك؟

هذا قرار جائر ومجحف وظالم لشخص تعمد الداخل الفلسطيني أن يجعله رئيسا للهيئة العليا لنصرة القدس والأقصى، والقصد من وراء ذلك ضرب أي محاولات للتصدي للمشروع الاحتلالي القاضي بتثبيت مخطط التقسيم الزماني والمكاني للأقصى، إذ تنظر المؤسسة الإسرائيلية لكل شخصية أو هيئة تنشط في الدفاع عن المدينة المقدسة خطرا من شأنه أن يحدث إرباكا وعائقا للمخططات الاحتلالية، وإطلاق الهيئة جعلهم يفقدون صوابهم، فما كان منهم، بعد أسبوعين على تأسيسها، إلا التحقيق مع رئيسها بداية ثم الإبعاد، ومستقبلا نتوقع أي شيء.

تطبيق التقسيم
 إلى أي مدى يكون الإبعاد عن الأقصى رادعا للفلسطينيين وخاصة من هم داخل الخط الأخضر؟

بالطبع المآرب التي يبنونها في مخيلتهم لتطبيق مخطط التقسيم الزماني والمكاني على أرض الواقع تجعلهم يظنون أن هدفهم يتحقق من خلال الإبعاد الجائر للفلسطينيين على مستوى القيادات والجماهير، ويعتقدون أنه من خلال هذا السلاح يتفردون بالأقصى ليفعلوا ما يحلو لهم من مخطط التقسيم وتعميق الحفريات والأنفاق حتى تحقيق الهدف الأساسي بهدم قبة الصخرة لبناء الهيكل المزعوم.

مع بدء شهر رمضان بلغ عدد المبعدين عن القدس القديمة والأقصى 500 شخصية من الداخل الفلسطيني والقدس، إذ يعتقد الاحتلال واهما أنه بهذه الممارسات يقطع حبل السرة ما بين المبعد والأقصى، إذ يتناسى أن الأقصى بمثابة عقيدة وإيمان راسخ بالقلوب، فالانتماء للأقصى وإن كان الرباط به مهمة كبرى، لكن الوجود به ليس نهاية العمل، فهناك الكثير من الأعمال والفعاليات والمشاريع خارج أسوار ساحات الحرم لتربية الأبناء على مفهوم أن الأقصى لا يقبل التقسيم وهو ملك خاص للمسلمين وحدهم وليس لأحد أي حق حتى بذرة تراب.

وهل النفير للقدس والرباط بالأقصى رد على ممارسات الاحتلال الإسرائيلي؟

لا شك في أن هذا التفاعل المبارك ما بين أهلنا بالداخل الفلسطيني والقدس والأقصى، إنما يعبر عن حقيقة الانتماء الصادق للمدينة المقدسة وليس ردة فعل على ممارسات الاحتلال فحسب، لأن شد الرحال هو ثابت من الثوابت والمعتقدات بالدين الإسلامي، بيد أن الممارسات الاحتلالية التي تمارس يوميا في ساحات الحرم القدسي الشريف تشحذ الهمم وترفع المعنويات لدى المؤمنين والمنتمين للأقصى، وعليه النفير والرباط يكون أسلوبا لتحدي الاحتلال ومخططاته، إذ لا يعقل أن صاحب الحق بات غريبا عن حقه والغريب أضحى مستوطنا لحق غيره.

شد الرحال هو ثابت من الثوابت والمعتقدات بالدين الإسلامي، بيد أن الممارسات الاحتلالية التي تمارس يوميا في ساحات الحرم القدسي الشريف تشحذ الهمم وترفع المعنويات لدى المؤمنين والمنتمين للأقصى

بظل هذا الواقع تجد هذا التواصل المبارك مع القدس والأقصى والذي يزداد أثره زخما في رمضان، وعلى سبيل المثال لا الحصر قرية جت المثلث بالداخل الفلسطيني يصل تعدادها السكاني 12 ألف نسمة، تخرج منها أسبوعيا ست حافلات للأقصى، وهذه هي الحال في كل البلدات الفلسطينية، الجميع ينشدون الصلاة بالأقصى والاعتكاف بمحاربه والاستماع لدروس علمائه.

مهمة الهيئة
 قبيل رمضان أعلنتم عن إطلاق الهيئة العليا لنصرة القدس والأقصى، ما طبيعة هذه الهيئة وعملها؟

الأقصى له مكانة خاصة لدى المسلمين والعرب عامة وعند الفلسطينيين خاصة، ولدى الداخل الفلسطيني على الأخص. ولأن الأقصى يواجه تحديات ومخاطر وجودية محدقة، تأتي المبادرات والمشاريع للدفاع عنه، خاصة وأن الاحتلال الإسرائيلي عزل المدينة المقدسة عن غزة والضفة الغربية، وبقي الداخل الفلسطيني صمام الأمان الوحيد والرئة لردف الأقصى، حيث بدأت المؤسسة الإسرائيلية بتضييق الخناق على أهلنا بالداخل عبر حظر الحركة الإسلامية وإغلاق عشرات المؤسسات والجمعيات الناشطة بالقدس.

وعليه لكيلا يكون الأقصى لقمة سائغة في يد المحتل أتى إطلاق الهيئة من أجل مواصلة مشاريع إعمار الأقصى والنفير للقدس، فكان هذا قدرنا لمواصلة المسيرة لتثبيت الناس بساحات الحرم من خلال دعمهم وتوعيتهم والتواصل معهم بإحياء المشاريع الكثيرة بالمدينة المقدسة كي لا يتفرد الاحتلال بها وبمقدساتها.

 ما الجديد الذي ستساهم به الهيئة خاصة في ظل وجود جمعيات كثيرة وشبيهة بالعمل والأهداف؟

أولا، علينا أن نعمق مفهوم شد الرحال للقدس والرباط بالأقصى من خلال المهرجانات والفعاليات الهادفة لتعميق الهوية الإسلامية والعربية للمدينة المقدسة، وذلك من خلال إقامة فروع للهيئة في كل قرية ومدينة بالداخل الفلسطيني تعمل على نصرة الأقصى ويكون لها الارتباط والتواصل مع الهيئة الأم والتشبيك والتنسيق بهدف ترسيخ أهمية القدس والأقصى بالذاكرة الجماعية ومن ثم التواصل مع العالم العربي والإسلامي من خلال المسموح لنا قانونيا للإبقاء على المدينة المقدسة بوجدان كل عربي ومسلم.

نحن لسنا بديلا عن أي مؤسسة أو جمعية أو أي أحد، ولم ننطلق من جعبة أي أحد، إنما نحن مسلمون والأقصى هو مسجد إسلامي بكل ساحاته ومساحاته المعهودة والبالغة 144 دونما

ليس بالضرورة أن يكون لنا بوصفنا هيئة ما يميزنا عن غيرنا من مؤسسات وجمعيات، إذ يطرح السؤال: هل المبادرات والفعاليات متواصلة وتقوم بدورها وعملها في ظل قمع الاحتلال لها؟ لذا نرى أنه لا بد من التواصل بالمشاريع كل من موقعه، فالمرحلة تقتضي تضافر الجهود وتكثيف الفعاليات لنصرة القدس والأقصى.

 إذا، هل ترون في أنفسكم بديلا عن المؤسسات التي تم حظرها مؤخرا؟

بالطبع كلا، أقول نحن لسنا بديلا عن أي مؤسسة أو جمعية أو أي أحد، ولم ننطلق من جعبة أي أحد، إنما نحن مسلمون والأقصى هو مسجد إسلامي بكل ساحاته ومساحاته المعهودة والبالغة 144 دونما. نحن الهيئة نكمل المسيرة والمشاريع، خاصة وأن القدس في هذه المرحلة الحرجة بحاجة إلى وقفة ودعم ومشاريع فعلية وعملية على أرض الواقع، وعليه انطلقنا بالعمل وسنمد أيدينا إلى كل يد بيضاء تعيننا بالطريق بغض النظر عن هويتها.
 
غياب الحركة الإسلامية

 إلى أي مدى يمكنكم تعويض الخسائر والفراغ الناجم عن حظر الحركة الإسلامية والمؤسسات الداعمة للقدس والأقصى؟

مما لا شك فيه أن الفجوة التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي بحظر الحركة الإسلامية والمؤسسات والجمعيات الخيرية في بيت المقدس كبيرة وتركت أثرا سلبيا سيحاسبهم عليه التاريخ، وستكون وصمة عار في جبين ديمقراطيتهم الزائفة، مع العلم أن الحركة وجميع هذه الجمعيات سلمية وتنشط بالعمل الخيري لتدعيم صمود المقدسي وتصنع الخير للمقدسات وتحفظها من الزوال وتحميها من مخططات التهويد والاستيطان.

ونتساءل، هل نحن نستطيع سد الفراغ الحاصل؟ نقول لسنا بدلاء للحركة الإسلامية المحظورة إلا أننا نجتهد أن نبقي على كافة المشاريع والفعاليات حتى تعود للأقصى هيبته ومكانته بكل المعاني، وهذا سيأخذ وقتا ليس بالقصير، كوننا لا نملك عصا سحرية لتغيير الواقع.

لكن، مما لا شك فيه أن الهيئة العليا لنصرة القدس والأقصى قد تكون قاعدة ينطلق من خلالها أبناء شعبنا ومجتمعنا في إعادة هيكلة الدفاع عن المدينة المقدسة وإحياء معالمها وحماية مقدساتها والتصدي لمخططات المؤسسة الإسرائيلية وإحباطها.

 هناك من يرى في رمضان والأعياد ملامح أكثر وضوحا لمخطط التقسيم الزماني والمكاني، وكأن الاحتلال حريص على أن يؤدي كل طقوسه، هل تشاطرون أصحاب هذا الرأي رأيهم؟

صحيح، هذا المشهد المرئي الذي يشير وكأن الاحتلال الإسرائيلي لا يمنع العبادة بالمدينة المقدسة، بل يفتح أبواب الأقصى على مصراعيه في رمضان للمسلمين وكأنهم يصنعون معنا معروفا، بيد أن السؤال المطروح: ماذا بعد رمضان حيث الأعياد اليهودية؟

يريدون الترويج والتثبيت لفكرة مخطط التقسيم الزماني، وهذا ما يسعون لفرضه بالقوة، وعلى هذا الأساس تتمحور تحقيقاتهم مع المبعدين. شخصيا قال لي طاقم المحققين، لماذا لا تسمحون لغير المسلمين بدخول الأقصى؟ ولماذا تحاربونهم وتتصدون لهم؟

إسرائيل تحاول عبر الترويج للتسهيلات المزعومة تجميل صورتها أمام المجتمع الدولي، لتقول إنها تمنح حرية العبادة للجميع بالقدس

قلنا ونقول لهم، هذه المخططات ستفشل وستتحطم على صخرة قناعاتنا وإيماننا، فنحن لا نحارب أحدا ولا نقف أمام أي أحد، وكل ما نريده ألا يتعدى على حقنا أحد، فالأقصى بكل ساحاته ملك خاص للمسلمين وسنواصل شد الرحال والرباط به، فحقنا إيماني وليس لأحد غيرنا حق ولو حتى بذرة تراب.

 ختاما، وفي ظل توظيف الاحتلال قانون الطوارئ بمعركة القدس والأقصى، ما هي حقيقة التسهيلات التي يمنحها للمصلين برمضان؟

هي تسهيلات زائفة ولا تمت للواقع بصلة. إسرائيل تحاول عبر الترويج للتسهيلات المزعومة تجميل صورتها أمام المجتمع الدولي، لتقول إنها تمنح حرية العبادة للجميع بالقدس وكأنها تعطف على الفلسطينيين برمضان متناسية أن هذا شهر مبارك وأن سيل المسلمين سيكون جارفا إليه لولا وجود الاحتلال، بيد أن الاحتلال لا يتوانى عن توظيف قوانين الطوارئ الجائرة ضد الوجود الفلسطيني بالقدس والأقصى بدوافع وتسويغيات الخطر الأمني. 

المصدر : الجزيرة