جمان أبو عرفة-القدس

تصعد السيدة المقدسية سناء الرجبي عبر درج مبني من الحجر إلى سطح بيتها في البلدة القديمة من القدس المحتلة، لتجلس وتطيل النظر إلى المشهد المحيط بها، ثم تستمع لأذان المسجد الأقصى، فتبادرها الدموع عائدة بمخيلتها إلى تلك اللحظات التي قضتها في ساحات المسجد.

لم تتمكن السيدة الفلسطينية سناء (46 عاماً) من دخول المسجد الأقصى سوى شهر واحد هذا العام، رغم أنه لا يبعد عنها سوى عشرات الأمتار، إذ تُمنع الآن من الاقتراب من الأروقة المؤدية إليه، بعد قرار احتلالي متجدد بمنعها من دخوله بدأ بعد عيد الفطر من رمضان الماضي.

وقبيل كل تجديد للمنع يتم اعتقال سناء من أمام أبواب المسجد الأقصى، أو اقتحام بيتها على غرار المرة الأخيرة في شهر أبريل/نيسان الماضي، حيث اقتحم العشرات من جنود الاحتلال بيتها مع عناصر من المخابرات واقتادوها إلى مركز التحقيق، وفتشوا البيت، وعبثوا بمحتوياته، وصادروا الحواسيب والهواتف الشخصية وغيرها.

ذكريات الطفولة
تتضاعف مرارة الإبعاد عن المسجد الأقصى لدى السيدة المقدسية لأن عهدها بذلك المكان ليس حديثا، فهي ولدت في البلدة القديمة، وعاشت طفولتها في بيت ملاصق لباب المغاربة (أحد أبواب سور القدس).

ليست سناء الرجبي الوحيدة الملاحقة من الاحتلال بل عائلتها وابنتها هديل أيضا (الجزيرة نت)
يشرد ذهن أم عمار قليلا إلى الماضي ثم تعود لتقول "منذ طفولتي كان تواجدي يوميا في الأقصى، ألعب فيه وأدخله عشرين مرة في اليوم، علاقتي بباحته ليست مستجدة أو عابرة كما يقولون".

التواجد في المسجد الأقصى والانتماء إلى تنظيم محظور (المرابطين والمرابطات) تهمة جاهزة لسناء الرجبي والعشرات من نظيراتها اللائي صنفهن الاحتلال ضمن قائمة وصفها بالسوداء، لذلك يعمل على إبعادهن طيلة الوقت عن المسجد، بل ومنعهن من الاقتراب من الأروقة والممرات المؤدية إلى أبوابه.

تقول سناء إن ضابط الاحتلال هددها في حال الاقتراب من تلك الأروقة باعتقال أبنائها ومصادرة أطفالها الصغار منها وضمهم إلى مؤسسات داخلية لديهم في حال حاولت دخول الأقصى.

ليس الإبعاد ورقة الضغط الوحيدة التي يمارسها الاحتلال على أم عمّار، فابنها البكر عمّار (22 عاما) تعرض للاعتقال نهاية السنة الماضية، ويواجه حكماً حالياً بالسجن بتهمة الانتماء لخلية خططت لاختطاف مستوطنين.

لم يسلم رب العائلة خالد الرجبي (أبو عمار) من الاعتقال تزامنا مع اعتقال زوجته، وتعرض للتحقيق والسجن أياما عديدة، كما اعتقل ابنهما حمزة (14 عاما) من داخل بيته.

ورغم عظم حجم المسؤولية في تربية أبنائها التسعة، تقول السيدة الفلسطينية إن بعض أبنائها أنهوا تعليمهم الجامعي، وبعضهم ما زال على مقاعد الدراسة، وهمها الأكبر أن يبقى حب الأقصى في قلوبهم.

وفاقت الابنة هديل (12 عاماً) أمها في حبها الأقصى، وتعرضها هي الأخرى للتهديد من أجله؛ فرغم صغر سنها تعرضت للإبعاد عن الأقصى والتهديد والاستدعاء.

ظلت هديل ترافق أمها إلى المسجد الأقصى منذ نعومة أظفارها، ويبدو أن تكبيرها بكلمة "الله أكبر" في وجه مجموعات المستوطنين اليهود الذين يقتحمون المسجد لم ترق لجنود الاحتلال، حيث قام أحدهم بالاعتداء عليها بالضرب قبل نحو عام.

تقول هديل "هددني الشرطي باعتقال أمي في حال دخلت المسجد، لكنني لم أخف، اعتدت على تهديداتهم"، وتابعت تدندن كلمات من أغنية "واجب يا أقصى بالروح وبالدم نفديك...".

سناء الرجبي: لا مثيل لهواء الأقصى ومائه وترابه (الجزيرة نت)
وداع
أكثر المواقف إيلاما لسناء الرجبي، والذي دفعها للبكاء حين استذكرته، وداعها أصغر أبنائها "علي" على أبواب المسجد الأقصى، وعدم استطاعتها مرافقته إلى الداخل.
فالطفل الصغير ألّح على أمه لمرافقته في رحلته المدرسية إلى الأقصى، حيث يرى أصدقاءه برفقة آبائهم، بينما يودع هو والدته على الباب، ويتساءل ببراءة: "لماذا يمنعك الجنود من مرافقتي"؟ ولا تملك والدته إلا وعدا له بمرافقته في حال انتهاء فترة الإبعاد المتواصلة، فهي تنتظر ذلك اليوم بشوق.

"رائحة الأقصى، وهواؤه، وماؤه وترابه ليس لها مثيل، عندما أدخله ينشرح صدري ويزول همي". تقول ذلك سناء وتتنهد تنهيدة ملؤها الألم ودمع هرب من مقلتين تسمرتا على شعاع تلك القبة الذهبية.

المصدر : الجزيرة