هبة أصلان-القدس
 
لم يكن الشهيد بهاء عليان شخصا عاديا في حياته، وكذلك كانت ظروف استشهاده غير عادية؛ لقد كان ظاهرة وأصبح فكرة تنتشر. أما والده فجعل للفكرة امتدادها، وحاول أن يقول ما كان البهاء ليقوله لو لم يضح بحياته ليعيش الآخرون بكرامة.

بعد استشهاد ابنه، ظهر المحامي محمد عليان بخطاب إعلامي له دلالاته، فلم يكن عاديا أو ساذجا، خرج يحمل رسالة ومضامين إنسانية، رغم الألم والحزن الذي يكابده لكنه تعالى على الجراح وتسلح في صراعه مع المحتل قائلا: لا، ومصرا على العمل الجماعي "نحن".

على غير عادتها، لم تناقش ندوة اليوم السابع الأخيرة التي تعقد في مسرح الحكواتي بمدينة القدس يوم الخميس من كل أسبوع كتابا محددا، بل ناقشت فكرة وثقافة، فكرة لا زال جسد صاحبها محتجزا في صقيع ثلاجات الاحتلال الإسرائيلي، لتستضيف المحامي محمد عليان والد الشهيد بهاء ليتحدث عن ثقافة الحياة التي ترجمها البهاء بالمقاومة، وأكمل والده عناصرها بقول "لا" للاحتلال، وإلغاء الـ"أنا" مقابل الـ"نحن".

جثمان الشهيد المقدسي بهاء عليان لا زال محتجزا لدى الاحتلال ووالده يرفض تسلمه بشروط (الجزيرة)

ثقافة المقاومة
استشهد بهاء عليان في 13 أكتوبر/تشرين أول 2015 وهو اليوم التالي لحادثة استشهاد الطفل حسن مناصرة وإصابة ابن عمه أحمد مناصرة الذي يقبع حتى اليوم في سجون الاحتلال، فالبهاء -الذي كان قبل شهادته يعمل مهرجا يلاعب الأطفال ويحتضنهم- لم يحتمل ذلك المشهد الذي ضجت به صفحات الإنترنت، فجاء القرار سريعا، وكانت المقاومة خياره، وقال كلمته وأوصل رسالة تفيد بأن على الجميع توفير كل الظروف لتعيش الطفولة حياتها. يقول والده أبو خليل: علينا كمثقفين أن نولي اهتماما بالطفولة ونوفر للأطفال مساحات واسعة من الفرح بالرغم من فضاءات الحزن.

ويتابع: "كثير من الأطفال حاولوا أن يقلدوا شهداء الهبة الأخيرة والقيام بأعمال مقاومة، لكن هذا الدور ليسوا مكلفين به. غيرتي على الأطفال تجعلني أقول هذا، المهم الآن هو نشر ثقافة الحياة بينهم ليشعروا بالفرح".

ثاني أنواع ثقافة الحياة التي رسخها الشهيد بهاء تمثلت بقول "لا" للاحتلال، لا لجبروته وطغيانه، وهنا طرح والده تساؤلا حول إصرار الفلسطينيين دائما على أن يكونوا ضعفاء، ليأتي دوره ودور أهالي الشهداء المحتجزة جثامينهم، الذين قالوا لا للرضوخ لشروط الاحتلال مقابل تسليم الجثامين.

والد الشهيد المكلوم قال: "لا"، ويصر عليها حتى لو بقيت الجثامين محتجزة مئات السنين، هو جعل من الـ"لا" ثقافة أساسية في نضاله، والتي بدورها تحولت إلى ثقافة شعبية تجلت لاحقا بـ"لا" للاعتقال الإداري من خلال إضراب الأسير السابق محمد القيق، ولا للإبعاد التي قالها كل من الأسيرين سامر أبو عيشة وحجازي أبو صبيح.

محمد عليان (يسار) والد الشهيد بهاء عليان يقول إن سرّ نجاح أي شعب هو بتنحية الـ"أنا" (الجزيرة نت)

ثقافة "نحن"
يقول والد بهاء إنه أطلق على ابنه لقب "بهاء فلسطين" فأصبح ينسب لها، لا لوالده وعائلته، وأراد من هذا إيصال رسالة أن الشهداء -وبهاء من بينهم- هم شهداء الوطن الذين قاوموا وقاتلوا من أجله.

يشير المحامي عليان إلى خصخصة الوجع، فكل شخص أصبح يقاتل وحده، لكن الإنجاز الذي حققه هو وأهالي باقي الشهداء المحتجزة جثامينهم كان مرده العمل الجماعي، فسرُّ نجاح أي شعب في تنحية الـ"أنا" جانبا، لكنه يقول بغصة: "نجحنا نحن ذوي الشهداء إلى حد ما، لكن النضال الفردي استحوذ على أبناء شعبنا، من شهرين لم أتلقَّ أي اتصال من أحد".

وينتقد والد الشهيد دور القوى الوطنية والسياسية والأهلية والتنظيمات والفصائل التي غابت عن المشهد باستثناء بعض الرجال في الميدان، ويقول إن ما فعله الاحتلال بالجثامين يرتقي لجريمة الحرب خاصة مع تعذيبهم أهالي الشهداء، لكن ثقافة الحياة لا يمكن أن تبدأ وتنتهي بـ"إعجاب" (like) وتعليق.

المصدر : الجزيرة