أسيل جندي-القدس

ما إن يقترب الزائر من سوق اللحّامين في القدس القديمة حتى يودع روائح البهارات والأعشاب في سوق العطارين، ويستقبل روائح اللحوم الطازجة وأمعاء المواشي (الفوارغ) بعد ذبحها، ويتنقل في مشيه بين القطط التي اعتادت على تناول طعامها من بقايا اللحوم التي يلقيها الجزّارون أمام حوانيتهم.

بُني سوق اللحّامين بالقدس في الفترة الصليبية ويرتكز على 28 عمودا وتعلوه قناطر كبيرة تدلل على بنائه في تلك الفترة. ولاحقا في العهدين الأيوبي والمملوكي رمّم السوق، وكان يبيع منذ القدم جميع أنواع اللحوم وما ينتج عن ذبح المواشي من أعضاء داخلية لذلك سُمي أيضا بسوق الطعام الرديء.

يحتوي السوق على مئة محل تجاري اختصت جميعها قديما ببيع اللحوم، لكن ملامح السوق بدأت تتغير تدريجيا ولم تعد الحوانيت فيه تختص باللحوم فقط، بل تحول بعضها لبيع الأدوات المنزلية والصوف، وأخرى لبيع الخضروات والفواكه، إضافة لمطاعم شعبية صغيرة.

سطح سوق اللحامين الذي يسيطر عليه الاحتلال ويظهر علم إسرائيل في مؤخرة الصورة (الجزيرة)

كنيس فوق السوق
بدأت المحاولات الإسرائيلية بالسيطرة على السوق أواخر الثمانينيات عندما أقدم جيش الاحتلال ذات يوم على إطلاق وابل من القنابل الغازية بداخله مما أدى لاستشهاد شاب مقدسي، ثم بدأت سلطات الاحتلال بتكثيف الهجوم على الجزء الغربي من السوق الذي يمتلكه الدير اللوثري، وسيطرت على سطح السوق وحوّلت جزءا من المباني التي تقع فوقه إلى كنيس لليهود المتدينين.

رافق السوق الكثير من الإجهاضات الاقتصادية لأسباب عدة أبرزها بعده عن النقطة المركزية بالقدس وهي باب العمود، بالإضافة لبعده نسبيا عن المسجد الأقصى المبارك، في حين يعتبر بناء الجدار العازل نقطة تحول رئيسية في إغلاق العديد من المحال التجارية في هذا السوق لشح الحركة الشرائية، ليصل عددها حتى الآن إلى 68 محلا مغلقا.

الجزّار أبو أمين إلى جانب ستة آخرين ما زالوا صامدين حتى الآن في السوق رغم الظروف الاقتصادية المتردية، ويقول إن الاعتماد في البيع حاليا يقتصر على بعض سكان البلدة القديمة، بعد انقطاع وصول الفلسطينيين من خارج الجدار للتسوق في البلدة القديمة من القدس.

يضيف أبو أمين، الذي اكتفى بكنيته ورفض التصوير خشية ملاحقات الاحتلال، أن من أغلق محله من التجار لم يتمكن من بيعه أو الاستفادة منه حتى الآن، لأن الديون المتراكمة عليه من ضريبة الأملاك (الأرنونا) وفواتير الكهرباء تفوق قيمة المحل إذا أقدم على بيعه.

يتجنب الكثير من المقدسيين دخول السوق -حسب أبو أمين- لأنه عرف برائحته الكريهة، وهذا ما دفع ببعض الجزّارين لإغلاق محالهم فيه والتوجه لفتح محال تجارية مختصة باللحوم في حي المصرارة، حيث يشعر المتسوقون بأريحية أكبر لسهولة حمل اللحوم ووضعها بالسيارات، بدلا من حملها باليد لمسافات طويلة من داخل الأسوار لخارجها.

من داخل أحد المحلات في سوق اللحامين (الجزيرة)

حيلة الاحتلال
يستذكر الجزار المقدسي أيام الانتعاش التي مرّ بها السوق قائلا إنه كان يعج بالمتسوقين في سنوات التسعينيات، وإذا قرر أحدهم دخول السوق لا يتمكن من الخروج من الجهة المقابلة قبل ساعة بسبب الازدحام الكبير، بينما يخلو حاليا من المتسوقين خاصة في العام الأخير بسبب تردي الأوضاع الأمنية في المدينة.

ورغم محاولات الاحتلال المستمرة للتغلغل في سوق اللحامين لم يُسرب حتى الآن أي محل تجاري للمستوطنين. ويقول أبو أمين إن سلطات الاحتلال عرضت على التجار إنشاء سوق خاص بهم خارج أسوار البلدة القديمة مقابل إخلائه، إلا أنهم رفضوا هذا العرض بالإجماع.

ورفض تجار سوق اللحامين مرارا عروض الاحتلال ترميم كافة محلات السوق بهدف تكثيف البناء الاستيطاني فوقه. وعن هذه المشاريع يؤكد أبو أمين أن التجار يفضلون أن تنهار المحال التجارية المبنية من التراب فوق رؤوسهم على أن يرممها الاحتلال لتحقيق أهدافه بالبلدة القديمة.

بدوره يقول زكريا مشرقي، وهو من سكان البلدة القديمة في القدس، إن القدس القديمة تخطت مرحلة الاحتضار إلى الموت، واختفت حركة المتسوقين بها، مؤكدا على ضرورة دعم تجارها من خلال شراء كافة احتياجات منازل البلدة القديمة منهم حتى يعززوا من صمودهم في ظل تهميشهم على كافة الأصعدة.

المصدر : الجزيرة